الرياض تحتضن اللقاء التشاوري الجنوبي: خارطة طريق جديدة لمستقبل جنوب اليمن برعاية سعودية
شهدت العاصمة السعودية الرياض حراكاً سياسياً يمنياً بارزاً تَمثّل في انعقاد «اللقاء التشاوري الجنوبي»، الذي ضم طيفاً واسعاً من القيادات والشخصيات الاجتماعية والسياسية الجنوبية.
ويأتي هذا اللقاء، الذي يُعقد برعاية كريمة من المملكة العربية السعودية، كخطوة تمهيدية كبرى لعقد «مؤتمر الحوار الجنوبي الشامل»، بهدف صياغة ميثاق وطني يجمع كافة المكونات ويضع حداً لحالة الانقسام التي عصفت بالمحافظات الجنوبية خلال السنوات الماضية.
ثوابت اللقاء: الحوار بدلاً عن الرصاص
تركزت النقاشات في اللقاء التشاوري حول ضرورة بلورة رؤية سياسية موحدة تعتمد الحوار السلمي كخيار وحيد وأساسي لحل الخلافات الداخلية. وأجمع الحاضرون على نبذ كافة أشكال العنف أو الاستقطابات التي قد تؤدي إلى صدامات بين الإخوة. وشدد المجتمعون على أن المرحلة الراهنة في عام 2026 تتطلب تغليب المصلحة الوطنية العليا لضمان حقوق كافة أبناء الجنوب، دون إقصاء أو تهميش لأي فئة اجتماعية أو سياسية.
المحرمي يقرأ ملامح المستقبل
في لحظة تاريخية، قرأ عبد الرحمن المحرّمي، عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني، البيان الختامي للقاء، والذي تضمن نقاطاً جوهرية تمثل حجر الأساس للمرحلة القادمة:
الحل العادل: الهدف من الحوار الجنوبي هو الوصول إلى حل عادل ومستدام للقضية الجنوبية بما يلبي تطلعات الشعب.
تقرير المصير: التأكيد على حق الجنوبيين في تقرير مستقبلهم السياسي بإرادة حرة، بعيداً عن التدخلات الخارجية التي تفرض أجندات خاصة.
رفض التمثيل الأحادي: أشار البيان بوضوح إلى أن القضية الجنوبية ملك لكل أبنائها، ولا يحق لأي فصيل أو مكون ادعاء التمثيل الحصري والوحيد لها.
الدعم السعودي وتحذيرات من الاستغلال
أكد المشاركون أن الرعاية السعودية لهذا اللقاء توفر غطاءً سياسياً واقتصادياً وأمنياً قوياً يضمن نجاح مخرجات الحوار. وفي هذا السياق، دعا البيان القوى الجنوبية للمشاركة بمسؤولية وطنية عالية، محذراً في الوقت ذاته من محاولات توظيف الاحتجاجات الشعبية المطلبية لتحقيق مكاسب سياسية أو شخصية ضيقة قد تضر بالأمن والاستقرار العام.
انتقادات للتدخلات الإقليمية المربكة
لم يخلُ اللقاء من تشخيص العوائق التي واجهت المسار الجنوبي في السابق، حيث جرى انتقاد التدخلات الإماراتية التي اعتبرها البعض مساهمة في تعزيز الانقسامات وإثارة حالة من الفوضى السياسية والأمنية. واعتبر المجتمعون أن العودة إلى "حضن الرياض" تمثل تصويباً ضرورياً للمسار وحماية للأمن القومي لليمن والمنطقة ككل.
حوار الرياض.. جنوب جديد يرفض التبعية
إن انعقاد اللقاء التشاوري الجنوبي في الرياض مطلع عام 2026 يمثل لحظة فارقة في تاريخ الحراك السياسي اليمني. هذه الخطوة ليست مجرد تجمع بروتوكولي، بل هي إعلان عن مرحلة جديدة يرفض فيها الجنوبيون الارتهان للخلافات والمشاريع التي تفتت النسيج المجتمعي.
إن تأكيد البيان الختامي على "الحوار" كخيار استراتيجي يعكس نضجاً سياسياً لدى القيادات الجنوبية التي أدركت أن لغة السلاح لم تحقق استقراراً ولن تبني دولة.
الرسالة الأهم التي خرجت من الرياض هي أن القضية الجنوبية قد انتقلت من مرحلة الشعارات إلى مرحلة العمل المؤسسي المنظم تحت مظلة شرعية ودولية واسعة. وبدعم سعودي مباشر، يمتلك الجنوبيون اليوم فرصة ذهبية لترتيب بيتهم الداخلي، وصياغة مشروع سياسي قادر على الصمود في وجه التحديات الاقتصادية والأمنية.
لقد وضع هذا اللقاء حداً لمحاولات "التمثيل الأحادي"، مفسحاً المجال لكل القوى الحية للمشاركة في رسم مستقبل إقليمهم. إن نجاح مؤتمر الحوار الجنوبي المرتقب يعتمد بالدرجة الأولى على مدى صدق النوايا في تطبيق مخرجات بيان الرياض، والترفع عن الصغائر من أجل تأمين حياة كريمة للمواطن الذي أثقلته سنوات الحرب. إن الاستقرار في الجنوب هو مفتاح الاستقرار لليمن وللمنطقة، وما بدأ في الرياض أمس هو اللبنة الأولى في بناء صرح السلام الدائم الذي طال انتظاره. حفظ الله اليمن وألهم أهله الرشاد والوحدة.