أستاذ فقه بالأزهر: ليلة النصف من شعبان ثاني أعظم ليلة في السنة.. وهذا هو الدعاء المستجاب فيها
مع اقتراب ليلة النصف من شعبان لعام 2026، تتطلع قلوب المسلمين نحو السماء بحثاً عن المغفرة والرضوان. وفي هذا السياق، قدم الدكتور هاني تمام، أستاذ الفقه المساعد بجامعة الأزهر الشريف، رؤية إيمانية عميقة حول كيفية استثمار هذا الشهر المبارك. واصفاً إياه بأنه "الباب الواسع" الذي يمهد الطريق للدخول على الله بقلوب خاشعة، مؤكداً أن الاستعداد لرمضان يبدأ من هنا، من محطة التصفية والتحويل في شعبان.
ليلة النصف من شعبان: ثاني أعظم ليالي العام
في حديثه عبر برنامج "مع الناس" على قناة الناس، أكد الدكتور هاني تمام أن ليلة النصف من شعبان تحتل مكانة سامقة في الوجدان الإسلامي وفي موازين الشريعة، فهي تأتي في المرتبة الثانية مباشرة بعد ليلة القدر. ووصفها بأنها "ليلة التجلي الإلهي"، حيث ينظر الله سبحانه وتعالى إلى خلقه بعين الرحمة والقبول، ويغفر لجميع عباده إلا صنفين حذر منهما النبي صلى الله عليه وسلم: "المشرك والمشاحن".
هذا التوصيف يجعل من الليلة فرصة ذهبية للتكفير عن السيئات والبراءة من النفاق والنجاة من النار، وهي ليلة الإجابة التي لا يُرد فيها سائل بصدق.
فلسفة تصفية القلوب قبل كثرة الأعمال
طرح الدكتور هاني تمام قاعدة إيمانية هامة، وهي أن "صلاح القلب مقدم على كثرة العمل". وأوضح أن الله عز وجل في ليلة النصف من شعبان يطلع على القلوب أولاً؛ فإذا وجد قلباً سليماً صافياً مبرأً من الحقد والغل، نزلت عليه الأنوار والرحمات.
وشدد أستاذ الفقه على أن كثرة الطاعات من صلاة وصيام وذكر، رغم أهميتها، قد لا تؤتي ثمارها إذا كان القلب محملاً بالشحناء والخصومات. لذا، فإن الدخول الصحيح لهذه الليلة يكون عبر "غسل القلوب" من أدران الدنيا ومنافساتها الزائلة.
جوامع الدعاء في شهر شعبان
دعا الدكتور تمام المسلمين إلى الإكثار من الدعاء الذي يجمع بين إصلاح الباطن وقضاء الحوائج، مشيراً إلى أن من أجمل ما يلهج به اللسان في هذه الأيام: «اللهم أنت العالم بسرائرنا فأصلحها، وأنت العالم بحوائجنا فاقضها، وأنت العالم بذنوبنا فاغفرها، اللهم أعزنا بالطاعة ولا تذلنا بالمعصية».
هذا الدعاء يمثل اعترافاً كاملاً بالعبودية لله، وطلباً للإصلاح الشامل الذي يبدأ من السرائر لينعكس على الظواهر.
المنافسة الحقيقية: الدنيا أم الآخرة؟
استشهد الدكتور تمام بمقولات الصالحين وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ليوضح الفرق بين الغش والنصح؛ فمن يدلك على الدنيا قد غشك لأنها فانية، ومن يدلك على العمل وحده قد أتعبك، أما من يدلك على الله فقد نصحك نصحاً خالصاً.
ووجه رسالة لكل من يجد صعوبة في التسامح أو يتصارع على حطام الدنيا: «من نافسك على الدنيا فاتركها له، وإذا نافسك أحد على الآخرة فنافسه فيها». فهذه المنافسة الأخروية هي التي ترفع الدرجات وتجعل العبد مستعداً لاستقبال نفحات شهر رمضان المبارك.
هل يكفي الوقت المتبقي للإصلاح؟
في لفتة تفاؤلية، أجاب الدكتور هاني تمام على تساؤل البعض حول إمكانية إصلاح مسيرة عام كامل في أيام معدودة قبل انتهاء شعبان، مؤكداً أن "صدق التوجه" كفيل بمحو سنوات من الغفلة. فسلامة القلب لا تحتاج إلى وقت طويل بقدر ما تحتاج إلى "قرار صدق" مع الخالق، وبمجرد أن يصفو القلب، تفتح أبواب السماء بالقبول الفوري.
في ختام هذا البيان الإيماني، يبرز لنا أن شهر شعبان ليس مجرد جسر زمني يربطنا برمضان، بل هو "اختبار للسرائر" وفرصة لاستعادة توازن الأرواح. إن ما أكده الدكتور هاني تمام يضعنا أمام مسؤولية كبرى تجاه أنفسنا وتجاه الآخرين؛ فالمغفرة التي نهفو إليها في ليلة النصف من شعبان معلقة بمدى قدرتنا على التسامح والصفح.
إننا نعيش في زمن تزايدت فيه الماديات والمشاحنات، مما يجعل الحاجة إلى "فقه التصفية" ضرورة ملحة. لا تجعلوا ليلة النصف تمر وأنتم تحملون في صدوركم ذرة غل أو خصومة، بل ادخلوا عليها بقلوب بيضاء، مستحضرين عظمة التجلي الإلهي. تذكروا أن العمل وإن قل مع قلب سليم، أعظم عند الله من عمل كثير مع قلب سقيم. اجعلوا من دعاء "إصلاح السرائر" شعاراً لكم، واستعدوا لرمضان بروح جديدة، تائبة، ومقبلة على الله بصدق، فمن أصلح ما بينه وبين الله، أصلح الله له كل شأنه. ليلة النصف هي ليلة البدايات الجديدة، فاجعلوها بداية لفتح صفحة بيضاء مع الخالق والخلق.