ads
الخميس 04 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

بين الهدنة والهشاشة… “قسد” تؤكد التزامها بوقف النار مع دمشق وسط اختبار إقليمي معقّد

خلف الحدث

في مشهد سوري لا يزال مثقلًا بتراكمات الحرب وتعقيدات التوازنات الإقليمية والدولية، يعود ملف العلاقة بين قوات سوريا الديمقراطية (قسد) والحكومة السورية إلى الواجهة، بعد إعلان جديد من قائد “قسد” مظلوم عبدي يؤكد فيه الالتزام بالحفاظ على اتفاق وقف إطلاق النار الموقع مؤخرًا مع دمشق.
غير أن هذا التأكيد يأتي في لحظة شديدة الحساسية، تتقاطع فيها الاتهامات الميدانية، والمخاوف الأمنية، وحسابات القوى الدولية، ما يضع الاتفاق أمام اختبار حقيقي بين فرص التهدئة ومخاطر الانهيار.

مظلوم عبدي: أولوية المرحلة هي تثبيت وقف إطلاق النار

أكد مظلوم عبدي، القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية، أن قواته ستعمل على الحفاظ على وقف إطلاق النار مع الحكومة السورية، مشددًا على أن المرحلة الراهنة تتطلب تغليب لغة الحوار ومنع الانزلاق إلى مواجهات جديدة من شأنها تقويض أي مسار سياسي محتمل في شمال وشرق سوريا.

وقال عبدي، في منشور عبر حسابه الرسمي على منصة “إكس”، إن لقاءً وصفه بـ”البناء والمثمر” جمعه بكل من السفير الأمريكي توم باراك والأدميرال براد كوبر قائد القيادة المركزية الأمريكية، في إقليم كردستان العراق، حيث جرى بحث آليات تثبيت الهدنة وضمان عدم انهيارها تحت وطأة التطورات الميدانية.

وأشار عبدي إلى أن هذا الحراك يأتي في إطار جهود دولية داعمة لخفض التصعيد، لافتًا إلى تلقيه اتصالًا من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، أكد خلاله دعم باريس لأي مسار سياسي يضمن الاستقرار ويحفظ حقوق جميع المكونات السورية.

لقاءات إقليمية ورسائل سياسية

وفي السياق ذاته، بحث عبدي مع نيجيرفان بارزاني، رئيس إقليم كردستان العراق، تطورات المشهد السوري، حيث شدد الجانبان على أهمية استمرار وقف إطلاق النار، وضرورة حماية حقوق الأكراد ضمن إطار الوحدة الوطنية السورية، بما يمنع عودة دوائر العنف ويُجنب المنطقة مزيدًا من الفوضى.

وتعكس هذه اللقاءات حرص قيادة “قسد” على تحصين الاتفاق سياسيًا عبر مظلة دعم إقليمية ودولية، في ظل إدراك واضح لهشاشة التوازنات القائمة على الأرض.

تفاصيل اتفاق 18 يناير 2026

وكانت الحكومة السورية و”قسد” قد توصلتا في 18 يناير 2026 إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، نصّ على عدد من البنود الرئيسية، أبرزها:

  • وقف شامل وفوري لإطلاق النار بين الطرفين على مختلف الجبهات.
  • إعادة انتشار قوات “قسد” شرق نهر الفرات ضمن ترتيبات أمنية متفق عليها.
  • دمج العناصر العسكرية والأمنية التابعة لـ”قسد” في مؤسسات الدولة السورية، بعد إجراءات مراجعة وتنظيم أمني.
  • تسوية أوضاع المناطق ذات الغالبية الكردية ضمن الأطر القانونية للدولة السورية.

ويمثل هذا الاتفاق، وفق مراقبين، نقطة تحول نسبية في مسار العلاقة بين دمشق والقوات الكردية، بعد سنوات من التوتر والصدام غير المباشر، ويفتح الباب أمام تسوية جزئية قد تعيد رسم خريطة النفوذ في شمال وشرق البلاد.

خروقات متبادلة وواقع ميداني مضطرب

ورغم الإعلان الرسمي عن الهدنة، لم يمر الاتفاق دون اهتزازات ميدانية، حيث تبادلت دمشق و”قسد” الاتهامات بشأن خروقات متكررة لوقف إطلاق النار.

فقد اتهمت الحكومة السورية قوات “قسد” بتنفيذ عمليات استهدفت مواقع تابعة للجيش السوري، ووصفت تلك التحركات بأنها تصعيد خطير يمس السيادة الوطنية ويهدد الاستقرار.

في المقابل، نفت “قسد” هذه الاتهامات، مؤكدة أن القوات الحكومية واصلت قصف واستهداف مناطق في الحسكة وريف حلب، معتبرة أن ما جرى يشكل خرقًا مباشرًا لبنود الاتفاق، ويعكس هشاشة الالتزام به على الأرض.

أبعاد إقليمية وضغوط دولية

وتأتي هذه التطورات في وقت تسعى فيه الولايات المتحدة ودول أوروبية إلى دفع الأطراف السورية نحو مسار سياسي أقل كلفة من المواجهة العسكرية، في ظل رغبة واضحة في تجنب تفجر جبهة جديدة في المنطقة.

في المقابل، تتابع تركيا هذا الملف بقلق بالغ، إذ تكرر أنقرة رفضها لأي وجود مسلح لـ”قسد” قرب حدودها، معتبرة أن هذه القوات تمثل امتدادًا لحزب العمال الكردستاني (PKK)، وهو ما يضيف بعدًا إقليميًا معقدًا لأي تسوية محتملة.

ويرى محللون أن نجاح الاتفاق لا يتوقف فقط على التفاهم بين دمشق و”قسد”، بل يرتبط أيضًا بمدى توافق القوى الدولية والإقليمية على صيغة نهائية لإدارة هذا الملف شديد الحساسية.

قراءات مستقبلية: فرصة أم هدنة مؤقتة؟

بين من يرى في الاتفاق فرصة نادرة لتهدئة طويلة الأمد وإعادة دمج الأكراد ضمن الدولة السورية، ومن يحذر من أن الخلافات العميقة حول الصلاحيات الأمنية والشكل الدستوري والإدارة المحلية قد تفجّر الخلاف مجددًا، يبقى وقف إطلاق النار الحالي هدنة هشة قابلة للاختبار في أي لحظة.

الخلاصة

في وقت يؤكد فيه مظلوم عبدي التزام قوات سوريا الديمقراطية بالحفاظ على وقف إطلاق النار مع دمشق والعمل على استدامته عبر الحوار، تكشف الوقائع الميدانية عن مسار شديد التعقيد، تحكمه توازنات داخلية وضغوط إقليمية وحسابات دولية متشابكة.
وبين دعم أمريكي–فرنسي حذر، وتوجس تركي، وتبادل اتهامات ميدانية، يظل مستقبل الاتفاق مرهونًا بقدرة الأطراف على تحويل الهدنة من إعلان سياسي إلى واقع مستقر على الأرض، يفتح الطريق أمام تسوية أوسع للأزمة السورية المستمرة منذ أكثر من عقد.

تم نسخ الرابط