من جناحٍ أوروبي إلى مشروع قيادة للمنتخب المغربي
طارق السكتيوي… سيرة مدرب وطني على أعتاب القرار الكبير
في لحظات ما بعد النهائيات الكبرى، لا تكون الهزيمة مجرد نتيجة في سجل البطولات، بل تتحوّل إلى نقطة مراجعة شاملة، يُعاد فيها فحص المشروع الفني بأكمله: فلسفته، قيادته، وقدرته على الاستمرار.
هكذا وجد المنتخب المغربي نفسه عقب خسارة نهائي كأس الأمم الإفريقية 2025 أمام السنغال، على أرضه ووسط جماهيره، في مواجهة سؤالٍ مركزي يتجاوز اسم المدرب الحالي وليد الركراكي، ليصل إلى: من يقود المرحلة التالية؟
وسط هذا المشهد المشحون بالتحليل والترقّب، برز اسم طارق السكتيوي بوصفه أحد أكثر الخيارات تداولًا في الصحافة المغربية والإفريقية، ليس باعتباره “حلًا طارئًا”، بل كـ امتداد محتمل لمشروع وطني يبحث عن الاستمرارية لا القطيعة.
فمن هو طارق السكتيوي؟ وكيف تشكّلت ملامح مسيرته؟ ولماذا يُنظر إليه اليوم كمرشح جاد لخلافة الركراكي إذا ما اتُّخذ قرار التغيير؟
الجذور الأولى: النشأة داخل بيت كرة
وُلد طارق السكتيوي في 13 مايو 1977 بمدينة فاس، إحدى أعرق الحواضر الكروية في المغرب. لم يكن دخوله عالم كرة القدم صدفة أو طموحًا عابرًا، بل نتاج نشأة داخل عائلة ارتبط اسمها تاريخيًا باللعبة، إذ كان جده من بين مؤسسي نادي المغرب الرياضي الفاسي، أحد أقدم وأهم الأندية المغربية.
في هذا المناخ، تشكّلت علاقة مبكرة بين السكتيوي والكرة، علاقة تجاوزت الموهبة الفردية إلى فهم اللعبة كثقافة ومسؤولية وانتماء، وهو ما سيظهر لاحقًا في مسيرته التدريبية بوضوح.
المسيرة كلاعب: احتراف أوروبي وتجربة دولية
بدأ السكتيوي مسيرته الكروية لاعبًا في صفوف المغرب الرياضي الفاسي، حيث شغل مركز الجناح الهجومي، وتميّز بالسرعة والمهارة والقدرة على اللعب في المساحات.
سرعان ما لفت الأنظار، ليخوض تجربة الاحتراف الأوروبي في وقت مبكر، متنقلًا بين عدة محطات بارزة، أبرزها:
- Willem II في الدوري الهولندي
- AZ ألكمار
- نادي بورتو البرتغالي، أحد أكبر أندية أوروبا
وخلال هذه المرحلة، عايش السكتيوي كرة القدم الاحترافية بمعاييرها الصارمة: الانضباط التكتيكي، العمل الجماعي، وإدارة الضغوط في البطولات الكبرى.
على الصعيد الدولي، مثّل المنتخب المغربي الأول في أكثر من مناسبة، وكان ضمن قائمته في كأس الأمم الإفريقية 2008، ما منحه خبرة مباشرة بأجواء البطولات القارية من داخل غرفة الملابس.
التحول إلى التدريب: بناء الذات قبل بناء الفرق
بعد اعتزال اللعب، لم يتجه السكتيوي سريعًا إلى الأضواء، بل اختار مسارًا تدريجيًا قائمًا على التأهيل والتكوين.
حصل على رخصة التدريب الاحترافية UEFA Pro License، وهي أعلى شهادة تدريبية في كرة القدم، ما عكس رغبته في الانتقال إلى التدريب بمنهج علمي لا بمجرد رصيد كلاعب سابق.
بدأ مسيرته التدريبية عام 2013، وتولى قيادة عدة أندية مغربية، من بينها:
- المغرب الرياضي الفاسي
- نهضة بركان
وحقق خلال هذه الفترة إنجازات لافتة، أبرزها:
- كأس العرش المغربي
- كأس الكونفيدرالية الإفريقية 2019–2020 مع نهضة بركان
هذه النجاحات لم تكن عابرة، بل جاءت في سياق منافسة قارية صعبة، أكدت قدرته على إدارة مباريات الحسم والتعامل مع الضغط الجماهيري والإعلامي.
كما خاض تجربة تدريبية خارج المغرب مع Emirates Club في الدوري الإماراتي، ما أضاف بعدًا خارجيًا لرصيده الفني.
المنتخبات الوطنية: حين يلتقي المشروع بالهوية
المنعطف الأهم في مسيرة السكتيوي جاء مع انتقاله إلى تدريب المنتخبات الوطنية.
تولّى قيادة المنتخب المغربي المحلي (A’)، ونجح في تحقيق:
- لقب كأس العرب 2025
- التأهل إلى نهائي بطولة الأمم الإفريقية للمحليين (CHAN 2025)
وهي إنجازات عززت صورته كمدرب قادر على العمل ضمن منظومة الاتحاد، واستثمار المواهب المحلية في بطولات كبرى.
وفي مارس 2024، عُيّن مدربًا للمنتخب المغربي تحت 23 سنة، في خطوة تؤكد ثقة الاتحاد به ضمن مشروع طويل المدى يربط بين المنتخبات السنية والمنتخب الأول، خاصة في ظل الاستعدادات المتواصلة لكأس العالم 2026 والاستحقاقات الأولمبية.
الهوية الفنية: مدرب واقعي بقراءة تكتيكية مرنة
يُصنّف طارق السكتيوي ضمن فئة المدربين الذين لا ينتمون إلى مدرسة واحدة جامدة، بل يعتمدون على الواقعية التكتيكية، ومن أبرز سمات أسلوبه:
- تنظيم دفاعي منضبط دون التخلي عن المبادرة
- مرونة تكتيكية تسمح بتغيير الرسم الخططي حسب ظروف المباراة
- ثقة واضحة في اللاعب المحلي وقدرة على تطويره نفسيًا وفنيًا
- قراءة هادئة للمباريات خصوصًا في الأدوار الإقصائية
وهي سمات تتقاطع مع متطلبات الكرة الإفريقية الحديثة، حيث لا يكفي الاستحواذ أو الأسماء الكبيرة دون إدارة ذكية للتفاصيل.
لماذا يُطرح اسمه اليوم؟
تزايد الحديث عن السكتيوي لا يرتبط فقط بنتائج الركراكي، بل بعدة عوامل موضوعية، من بينها:
- استمراريته داخل منظومة الاتحاد المغربي
- نجاحه مع المنتخبات الوطنية
- قدرته على الربط بين الأجيال
- كونه خيارًا وطنيًا يقلل من كلفة التغيير المفاجئ
لذلك يُنظر إليه كـ خيار استراتيجي محتمل أكثر منه رد فعل عاطفي على خسارة نهائي.
الخلاصة
طارق السكتيوي ليس اسمًا طارئًا على النقاش الكروي المغربي، بل نتاج مسار طويل بدأ من الملاعب الأوروبية، مرورًا بالبطولات القارية، وصولًا إلى المنتخبات الوطنية.
سواء تولّى قيادة المنتخب الأول في المرحلة المقبلة أو واصل عمله داخل المنتخبات السنية، فإن حضوره يعكس تحول الكرة المغربية من البحث عن الأسماء إلى بناء المشاريع.
وفي لحظة تتطلّب هدوء القرار بقدر طموح الإنجاز، يبقى السكتيوي أحد الأسماء التي تمثل هذا التوازن بدقة.