ads
الجمعة 05 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

في فجر العام 2026، دخلت دولة الإمارات العربية المتحدة حقبة جديدة من تطوير منظومتها القضائية، ليست مجرد تعديلات شكلية، بل عملية "جراحية دقيقة" استهدفت أربعة محاور حيوية في مسار التقاضي. وذلك بموجب مرسوم بقانون اتحادي رقم (22) لسنة 2025بتعديل بعض أحكام قانون الإجراءات المدنية الصادر بالمرسوم بقانون اتحادي رقم (42) لسنة 2022 والذي بموجب نص المادة (الثانية) يتم العمل به اعتبارًا من تاريخ 1 يناير 2026. وتتجلى أهمية هذه التعديلات في كونها تأتي استجابة مباشرة لدروس التطبيق العملي، وليست مجرد استنساق نظري.

في هذا المقال ، سوف نعرض نموذجاً فريداً في البحث القانوني الإماراتي المعاصر، حيث نقارن التعديلات المحلية بنظام سنغافورة – الوجهة القضائية الأكثر كفاءة عالمياً – لاستخلاص الدروس وتقديم توصيات للمستقبل.

الفلسفة الجديدة: من العدالة البطيئة إلى "العدالة الناجزة":

قبل الخوض في تفاصيل التعديلات، يجب استيعاب الفلسفة التي تقف خلفها. إنها ليست مجرد تعديلات إجرائية، بل تحول استراتيجي يقوم على ثلاثة أركان:

أولاً: التخصص القضائي كاستجابة للتعقيد:

استحداث دوائر متخصصة للتركات (المادة 32) يعكس إدراكاً عميقاً بأن التخصص لم يعد رفاهية، بل ضرورة حتمية. فالقاضي المتخصص في التركات يمتلك فهماً أعمق لطبيعة الذمة المالية المتوفاة، ويجمع بين خبرات القانون المدني والتجاري والعقاري في آن واحد. وهذا يذكرنا بالنموذج السنغافوري الذي أنشأ محاكم العدالة الأسرية، لكن الإمارات اختارت حلاً أكثر جذرية: وحدة ملف التركة بالكامل تحت سقف واحد.

ثانياً: الكفاءة الإجرائية و"اقتصاديات القضاء":

من خلال تشديد شروط قبول الطعون في الاستئناف (المادة 164) والنقض (المادة 175)، يهدف المشرع إلى غربلة الطعون وتركيز جهود القضاء على القضايا الجديرة فعلاً بالنظر. وهو ما يُعرف في الأدبيات القانونية بـ "Judicial Economy"، مبدأ تبنته سنغافورة لتحقيق كفاءة مذهلة في إنفاذ العقود.

ثالثاً: الجودة القضائية دون التضحية بالسرعة

تؤكد التعديلات أن السرعة ليست هدفاً لذاته. فالطعن المنضبط والمسبب يحسن جودة المراجعة القضائية، وتوحيد الاختصاص يرفع من دقة الأحكام، وحصر أسباب الطعن بالنقض يضمن تركيز المحكمة العليا على دورها كحارس للقانون لا كمحلل للوقائع.

المحور الأول: دوائر التركات – نهاية عهد التشتت القضائي

الإشكالية السابقة: "الذمة المالية الواحدة والقضاء المتعدد"

قبل التعديلات، كانت التركة الواحدة تتفتت بين أربع جهات قضائية على الأقل: الأحوال الشخصية للإعلامات، والدوائر المدنية للمنقولات، والدوائر العقارية للعقارات، والدوائر التجارية للشركات. وكان كل قاضٍ ينظر إلى جزيرة منعزلة، دون رؤية الذمة المالية كوحدة اقتصادية متكاملة.

كانت النتائج غير مقبولة : إطالة أمد النزاعات لسنوات، تضاعف التكاليف، وخطر التعارض بين الأحكام الذي يُضعف الثقة في القضاء. وقد حاولت المحاكم العليا التخفيف من هذه الإشكالية، لكنها ظلت محدودة الأثر.

الحل الجذري: الولاية الشاملة

جاءت المادة 32 المعدلة لتقضي بأن تنشأ في مقر كل محكمة ابتدائية دائرة أو أكثر لنظر جميع المنازعات المتعلقة بالتركات... وتكون أحكامها في جميع الأحوال نهائية، غير قابل للطعن عليه إلا بطريق التماس إعادة النظر، كما يجوز الرجوع عن ذلك الحكم وفق الحالات والضوابط والإجراءات المنصوص عليها في هذا القانون.

هذا النص يحمل دلالات عميقة:

  • عموم الاختصاص: "جميع المنازعات" تعني أن أي نزاع متصل بالتركة، أياً كانت طبيعته، يدخل في الاختصاص." ،"دعاوى التركات وكافة المنازعات المتعلقة بقائمة الجرد أو تصفية التركة أو قسمة أموالها وتوزيعها بين الورثة وأي دعوى مدنية أو عقارية أو تجارية ناشئة أو متفرعة عن التركة تتعلق بملكيتها أو تصفيتها أو أي شأن من شؤونها بين الورثة والغير، والنزاعات التي تتم بين الورثة والأوصياء ومن في حكمهم، وكذلك أي طلبات عارضة متعلقة بإخراج أو إدخال وارث أو بالوصايا أو الوقف أو بالتسوية بين الورثة في الهبات تكون ناشئة عن التركة أو مرتبطة بها ارتباطًا لا يقبل التجزئة."
  • معيار الارتباط: "الناشئة عنها أو المتعلقة بها" يغلق الباب أمام أي محاولة للتملص أو التفسير المضيق.
  • الحسم النهائي: جعل الحكم غير قابل للطعن عليه إلا بطريق التماس إعادة النظر، يختصر درجة كاملة من التقاضي، تحقيقاً لمبدأ سرعة الفصل.

مقارنة مع سنغافورة: وحدة الملف مقابل التخصص الموضوعي

تتعامل سنغافورة مع التركات عبر محاكم العدالة الأسرية، لكن النزاعات المعقدة (كشركات أو عقارات كبيرة) قد تُحال إلى الأقسام المتخصصة في المحكمة العليا. بينما اختار المشرع الإماراتي حلاً أشمل: كل شيء أمام قاضٍ واحد.

الميزة الإماراتية: السرعة ومنع التعارض والتكاليف المنخفضة. 

التحدي: ضرورة تخريج قضاة متعددي التخصصات قادرين على التعامل مع التركات المعقدة. وهو ما تعيه جيدا أكاديمية أبوظبي القضائية بإعداد برامج تكوين أساسي لقضاة التركات شاملة التدريب على كافة المهارات اللازمة لتكوين قضاة للتركات قادرين على إدارة ملف دعاوى التركات بكفاءة واقتدار.

المحور الثاني: صحيفة الاستئناف – الانضباط الإجرائي الحاسم

الوباء السابق: "استئنافات بلا أجنحة"

قبل التعديل، كانت صحف الاستئناف تعاني من "الغموض والتجهيل". عبارات عامة مثل "أستأنف الحكم لأنه مخالف للقانون" كانت كافية لإحالة الملف كاملاً لمحكمة الاستئناف، التي تضطر لإعادة فحصه من الصفر. كانت النتيجة: إرهاق القضاء، إطالة الإجراءات، وإضعاف حق الدفاع.

الثورة الصارمة: البيانات الثلاثة الإلزامية

نصت المادة 164 على أن صحيفة الاستئناف يجب أن تشتمل على:

  1. بيان الحكم وتاريخه: تحديد دقيق للمحل.
  2. أسباب الاستئناف: موجهة لنقاط محددة في الحكم.
  3. الطلبات: نتيجة محددة مرجوة.

الجزاء الحاسم: "وإلا كان الاستئناف غير مقبول". هنا انتقل المشرع من "الشكل التنظيمي" إلى "الشكل الجوهري"، حيث تخلف أي بيان يبطل الطعن بالكلية، دون مجال للتدارك.

درس سنغافوري: التفصيل الدقيق مقابل الانضباط التلقائي

تتطلب قواعد المحكمة السنغافورية لعام 2021 مستندات استئناف تفصيلية للغاية: "إشعار الاستئناف" و"قضية المستأنف" و"حزمة السجلات الأساسية". والهدف هو التركيز من البداية على نقاط الخلاف الجوهرية.

الاختلاف الإماراتي: بدلاً من إضافة مرحلة إضافية (الإذن المسبق)، فرضت الدراسة والتمحيص في صحيفة الطعن نفسها. وهو نهج أسرع، لكنه يتطلب مهارات صياغة أعلى من المحامين.

النتيجة المتوقعة: تراجع الاستئنافات الكيدية، وارتفاع جودة الطعون المقبولة، لكن مع تحدي فترة التكيف وخشية رفض طعون جديرة بسبب أخطاء شكلية.

المحور الثالث: الطعن بالنقض – إعادة هندسة البوابة

الأزمة التي أدت للإصلاح: محكمة النقض كدرجة ثالثة

أكبر خطورة كانت في تحول محكمة النقض إلى "درجة ثالثة للتقاضي"، حيث تتلقى آلاف الطعون سنوياً، معظمها يعيد مناقشة الوقائع، مما يمنعها من القيام بدورها الأساسي: توحيد المبادئ القانونية ورقابة صحة تطبيق القانون.

استحداث المنظومة الثلاثية للفلاتر : 

الفلتر الأول: النصاب القيمي

  • الحد: 500,000 درهم إماراتي.
  • الغاية: تصفية الطعون الصغيرة وتركيز المحكمة على القضايا الاقتصادية ذات الأهمية.
  • الاستثناءات: الإفلاس والعقارات والمساس بمبدأ قانوني مستقر.

الفلتر الثاني: استبعاد نزاعات التنفيذ

  • قرار جريء: جعل أحكام التنفيذ نهائية أمام محكمة الاستئناف.
  • الهدف: تسريع إجراءات التنفيذ ومنع المماطلة بالطعون.

الفلتر الثالث: حصر أسباب الطعن

  • الانتقال من الفتح إلى الحصر: الطعن مقبول فقط في حالات محددة (مخالفة القانون، بطلان الإجراءات، القضاء بما لم يطلبه الخصوم).
  • الجوهر: إعادة محكمة النقض لدورها كـ محكمة قانون، لا محكمة واقع.

المقارنة الحرجة: "الفلاتر التشريعية" الإماراتية مقابل "نظام الإذن القضائي" السنغافوري

الاختلاف الجوهري: الإمارات تعتمد على معايير تشريعية جامدة يحددها النص مسبقاً، بينما تعتمد سنغافورة على سلطة تقديرية للمحكمة تقرر في كل حالة على حدة.

المقارنة الشاملة:

المعيار

الإمارات (بعد التعديل)

سنغافورة

آلية الفلترة

معايير تشريعية جامدة (نصاب + أسباب حصرية)

سلطة تقديرية مرنة (الإذن)

اليقين القانوني

عالٍ جداً

متوسط

المرونة

محدودة

عالية

التنبؤ بالنتيجة

سهل

صعب نسبياً

حماية المبادئ القانونية

قد تفلت بعض القضايا ، لكن طعن النائب العام ويقظة إدارة التفتيش القضائي يعد صمام أمان للمشروعية 

شاملة

التحليل: النظام الإماراتي يحقق اليقين ويحمي من تلاعب المحامين، لكنه قد يحرم قضايا قليلة القيمة لكنها ذات أهمية مبدئية من الوصول للمحكمة العليا ، لكن طعن النائب العام ويقظة إدارة التفتيش القضائي يعد صمام أمان للمشروعية. النظام السنغافوري يحقق العدالة المنفتحة لكنه يتطلب قضاة ذوي خبرة وقدرات تقديرية عالية.

المحور الرابع: طعن النائب العام – صمام أمان المشروعية

الإشكالية: الحكم البات المخالف

ماذا لو صدر حكم نهائي، فاتت مواعيد الطعن فيه، لكنه مخالف للقانون صراحةً؟

 هنا تصطدم قيمتان: استقرار الأحكام (حجية الأمر المقضي) و صحة تطبيق القانون.

الحل الإماراتي المبتكر: الأثر الموضوعي الكامل

المادة 176 أعطت النائب العام حق الطعن لمصلحة القانون، مع أثر فريد هو: أن  يستفيد الخصوم من هذا الطعن. بمعنى أن النقض لا يصحح المبدأ فقط، بل يُعيد الحقوق لأصحابها.

الشرط الخامس: سنة من تاريخ الحكم، لإعطاء النائب العام وقت الكشف، مع حماية استقرار الأحكام.

المقارنة التاريخية: ضياع الحقوق في فرنسا مقابل صيانة الحقوق في الإمارات 

في فرنسا، الطعن لمصلحة القانون وفق قانون الإجراءات الجنائية (Article 621 CPP)

لا يفيد الخصوم (الأثر المبدئي فقط).حيث تنص المادة 621  من قانون الإجراءات الجنائية (Article 621 CPP) ، على ان "عندما يكون الحكم أو القرار قد صدر عن محكمة استئناف أو محكمة جنايات، أو عن محكمة الجنح أو محكمة الشرطة، وكان صادراً بصفة نهائية (غير قابل للطعن بالطرق العادية)، وقابلاً للطعن بالنقض، ولم تتقدم أيٌّ من الأطراف بطعن بالنقض خلال الأجل المحدد قانوناً، جاز للنائب العام لدى محكمة النقض أن يطعن فيه من تلقاء نفسه، رغم انقضاء هذا الأجل، ولكن لصالح القانون وحده، وذلك ضد الحكم أو القرار المذكور.

وتفصل محكمة النقض في مدى قبول هذا الطعن وسلامة أسبابه.

فإذا قُبل الطعن، قُضي بالنقض، دون أن يكون للأطراف أن يتمسكوا به أو أن يعترضوا على تنفيذ القرار المنقوض."

والتطبيق العملي لهذا النص: لنفترض أن شخصاً حُكم عليه غيابياً أو فاته ميعاد الطعن في حكم حبس بني على تفسير خاطئ لنص عقابي. إذا طعن النائب العام لمصلحة القانون وقبلت محكمة النقض طعنه، فإن النتيجة تكون كالتالي:

  • تعلن محكمة النقض أن التفسير القانوني الذي بني عليه الحكم "خاطئ" وتلغيه من سجل السوابق القضائية.
  • ومع ذلك، يظل المتهم في السجن وينفذ العقوبة، لأن الحكم يظل نافذاً في حقه شخصياً، ولا يستطيع استخدام حكم النقض للإفراج عن نفسه.
  •  هذا الفصل الصارم بين "الحقيقة القانونية" و"الحقيقة الواقعية" هو جوهر النظام الفرنسي.   

في فرنسا، الطعن لمصلحة القانون في قانون الإجراءات المدنية (Code de procédure civile

تنظم المادة 17 من قانون 1967 آلية الطعن، بينما تفصل النصوص التنظيمية في قانون الإجراءات المدنية (Code de procédure civile) آثاره. وتُعد المادة 639-2 من قانون الإجراءات المدنية المثال الأسطع على عدم استفادة الخصوم في المسائل المدنية.

النص الفرنسي (Article 639-2 CPC):

"يظل الحكم المطعون فيه مُحتفظًا بآثاره بين الأطراف، حتى فيما يتعلق بالأجزاء التي تم إبطالها."

"Le jugement attaqué conserve ses effets entre les parties, même sur les chefs annulés."    

التحليل "يحتفظ الحكم المطعون فيه بآثاره بين الأطراف، حتى في الشق الذي تم إبطاله." هذا النص لا يترك مجالاً للاجتهاد. ففي نزاع مدني (مثلاً حول ملكية عقار أو دين)، إذا صدر حكم نهائي خاطئ ولم يطعن فيه الخصوم، وتدخل النائب العام للنقض لمصلحة القانون:

  • تقرر محكمة النقض أن الحكم خالف القانون.
  • يتم "توبيخ" الحكم وتصحيح المبدأ القانوني للمستقبل.
  • لكن: يظل المحكوم عليه ملزماً بدفع الدين أو تسليم العقار، ولا يتغير مركزه القانوني قيد أنملة. يظل "الخاسر" خاسراً، و"الرابح" رابحاً، رغم اعتراف أعلى محكمة في البلاد بأن الحكم كان خاطئاً.   

بينما اختار المشرع الإماراتي النموذج الموضوعي لتحقيق لصيانة الحقوق وتحقيق العدالة الفردية والمصلحة العامة معاً.

المثال العملي: حكم بفائدة 15% رغم أن الحد القانوني 12%. النائب العام يتدخل، والنقض يُلغي الفائدة الزائدة، والمحكوم عليه يستفيد.

نقاط القوة والتحديات: نظرة نقدية متوازنة

نقاط القوة الاستراتيجية

  1. الوضوح واليقين: المتقاضي يعرف حقوقه وحدودها مسبقاً.
  2. الكفاءة: ترشيد الموارد القضائية يسرع الفصل في القضايا.
  3. الجودة: التخصص والانضباط يرفعان من مستوى الأحكام.
  4. العدالة: آلية النائب العام تمنع تكرار الخطأ القانوني.

التحديات العملية

التحدي الأول: القدرة الاستيعابية لمحاكم الاستئناف مع أنها أصبحت المرحلة النهائية لمعظم القضايا، سيزداد العبء. يتطلب هذا:

  • زيادة عدد القضاة
  • برامج تدريب مكثفة على التخصص المتعدد
  • تطوير البنية التحتية الرقمية واستخدام الذكاء الاصطناعي كعامل مساعد 

التحدي الثاني: القضايا ذات الأهمية المبدئية القليلة القيمة قضية بـ 100,000 درهم قد تثير تفسير نص تشريعي جديد. النصاب القيمي الجامد قد يمنعها من الوصول لمحكمة النقض. الحل المقترح: استحداث استثناء للـ "مسألة قانونية ذات أهمية عامة"، يمنح محكمة النقض سلطة تقديرية محدودة للقبول وتمكين محكمة الاستئناف من طلب الإحالة لمحكمة النقض في هذه الحالة  .

التحدي الثالث: فترة التكيف المحامون والقضاة يحتاجون لوقت لاستيعاب المتطلبات الجديدة. قد تشهد الفترة الأولى:

  • ارتفاع نسبة الطعون المرفوضة شكلاً
  • تفاوت في التفسير بين المحاكم
  • حاجة لدعم المتقاضين الذين يمثلون أنفسهم

الدروس المستفادة من سنغافورة: ما يمكن أن نتعلمه

الدرس الأول: المرونة القضائية

نظام "الإذن بالاستئناف" السنغافوري يمكّن المحكمة من التقاط القضايا المبدئية، حتى لو كانت قيمتها منخفضة. يمكننا اقتراح استحداث هذا الاستثناء كتكملة للنصاب القيمي.

الدرس الثاني: التخصص العميق

تجربة المحاكم المتخصصة في سنغافورة (التجارية الدولية، الملكية الفكرية) تبين أن التخصص يمكن أن يتجاوز التركات إلى مجالات أخرى، كالتحكيم والشركات.

الدرس الثالث: الذكاء الاصطناعي والرقمنة الشاملة

نظام eLitigation السنغافوري يقلص الوقت والتكاليف بشكل كبير. الإمارات تملك البنية التحتية ، وقد أظهرت تفوقا في التحول الرقمي القضائي ، لكن التطوير المستمر ضرورة. وهو ما يحدث بشكل دائم ومستمر الان.

الدرس الرابع: ثقافة الوساطة

الإلزام بالوساطة قبل التقاضي (Pre-Action Protocol) في سنغافورة يقلل من حجم القضايا. وقد عززت الإمارات وأبوظبي العديد من آليات الحلول البديلة للتقاضي. ومنها التوفيق والمصالحة والموفقين العقاريين المعتمدين، والوسطاء الخاصيين المعتمدين وتعد بذلك من طليعة الدول التي تشكل أفضل الممارسات الدولية

توصيات للتطوير المستقبلي:

تشريعياً

  1. استحداث استثناء "المسألة المبدئية": منح محكمة النقض سلطة تقديرية محدودة لقبول قضايا أقل من النصاب إذا كانت تثير مسائل قانونية جديدة.
  2. آلية الإحالة من محاكم الاستئناف: السماح لمحكمة الاستئناف بإحالة مسائل قانونية معقدة إلى محكمة النقض أثناء نظرها. لتوحيد الاتجاه القضائي ومنع التشتت في الاجتهاد بصدور احكام متعارضة في ذات المسألة.

مؤسسياً

  1. برامج تدريب مكثفة: تغطي كل جوانب التعديلات، مع اختبارات حقيقية الزامية لكافة الفئات المخاطبة بأحكام التعديلات.
  2. إصدار أدلة إرشادية: نماذج جاهزة وشرح تفصيلي للمتطلبات الجديدة.
  3. استخدام الذكاء الاصطناعي في تطوير البنية الرقمية: لتطبيق نظام للتحقق الآلي من استيفاء الشروط الشكلية.

رقابياً

إنشاء وحدة متابعة لتقييم أثر التعديلات بعد سنة من التطبيق، تقيس:

  • متوسط عمر الدعوى
  • نسبة الطعون المقبولة
  • رضا المتقاضين والمحامين

خاتمة: نحو نموذج إماراتي فريد

لا تقدم تعديلات 2025 مجرد إصلاحات جزئية، بل إعادة هيكلة شاملة لمنظومة التقاضي، تجمع بين:

  • اليقين من خلال معايير واضحة
  • الكفاءة عبر ترشيد الطعون
  • الجودة بتعزيز التخصص والانضباط
  • العدالة بآلية النائب العام

صحيح أن التحديات موجودة – من عبء محاكم الاستئناف إلى حاجة التكيف – لكن النجاح مرهون بالتنفيذ الدقيق والدعم المؤسسي وهو مصوب بإرادة عالية قيادية داعمة لسد الاحتياجات بسرعة فائقة تتطلع لريادة العدالة وتوطين أبوظبي كعاصمة للعدالة التنموية الناجزة.

إن المقارنة مع سنغافورة وغيرها لا تهدف للتقليد، بل للاستفادة من الدروس. 

فالإمارات تبني نموذجاً إماراتياً فريداً يجمع بين اليقين القانوني والعدالة الناجزة، ويستجيب لحاجات بيئة اقتصادية نشطة ومتنوعة.

وكما يقول القانوني البريطاني أدريان زوكيرمان: "الإصلاح القضائي الجيد ليس مجرد تغيير قواعد، بل تغيير ثقافة." ويبدو أن الإمارات اسرع من الغرب جميعا فهي لا تسير فقط على شعارات الغرب بل تحول تلك الشعارات الي واقع معاش بثقة ووعي عميق بتحديات واستشراف المستقبل.

وختاماً فإنه ليسعدنى أن أنهى حديثى بخير الكلام على الأرض ، بقول الله تعالى :

" إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ "[1] صدق الله العظيم

[1] - سورة هود الآية 88

تم نسخ الرابط