زلزال الفيدرالي الأمريكي 2026.. صراع "باول وترامب" يضع استقلالية البنك المركزي على المحك
تتجه أنظار الأسواق المالية العالمية اليوم الأربعاء نحو العاصمة واشنطن، حيث يترقب المستثمرون والخبراء الاقتصاديون إعلان مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي عن قراره بشأن أسعار الفائدة الرئيسية، وسط توقعات شبه إجماعية بالإبقاء عليها عند مستواها الحالي البالغ 3.6%.
يأتي هذا الاجتماع في توقيت شديد الحساسية، حيث يواجه رئيس المجلس جيروم باول ضغوطاً سياسية وقضائية غير مسبوقة من إدارة الرئيس دونالد ترامب، الذي لا يتوقف عن المطالبة بخفض الفائدة لدفع عجلة النمو.
ورغم أن الفيدرالي أجرى ثلاثة تخفيضات متتالية بمقدار ربع نقطة مئوية خلال العام الماضي لمواجهة تداعيات الرسوم الجمركية الشاملة، إلا أن المجلس يبدو مصمماً هذه المرة على تجاهل النداءات السياسية، مفضلاً التركيز على المؤشرات الاقتصادية التي تظهر استقراراً في سوق العمل مقابل تضخم لا يزال مستعصياً فوق هدف الـ 2%، مما يجعل أي خفض إضافي في الوقت الراهن مخاطرة قد تؤدي إلى اشتعال الأسعار مجدداً.
الانقسام الداخلي في الفيدرالي.. بين دعم التوظيف وكبح التضخم
يعكس اجتماع هذا الأسبوع حالة من الانقسام الحاد داخل لجنة تحديد أسعار الفائدة، وهي اللجنة المسؤولة عن رسم السياسة النقدية لأكبر اقتصاد في العالم.
فبينما يرى فريق من المسؤولين ضرورة التوقف تماماً عن خفض الفائدة حتى تظهر دلائل قطعية على تراجع التضخم نحو مستوياته المستهدفة، يرى فريق آخر أن التباطؤ الذي شهده قطاع التوظيف في أعقاب التوترات التجارية والرسوم الجمركية يفرض ضرورة التدخل بخفض جديد لدعم سوق العمل ومنع الانزلاق نحو الركود.
وتشير البيانات التاريخية لاجتماع ديسمبر الماضي إلى أن 12 عضواً فقط من أصل 19 أيدوا خفضاً واحداً على الأقل خلال عام 2026، وهو ما يعزز توقعات الخبراء بأن المجلس قد ينتظر حتى اجتماع يونيو المقبل أو ما بعده للقيام بأي تحرك نقدي جديد، في محاولة للحفاظ على توازن دقيق بين النمو الاقتصادي واستقرار الأسعار.
المواجهة القضائية.. استدعاءات وزارة العدل ومعركة عزل "ليزا كوك"
لم يقتصر الضغط على الفيدرالي في عام 2026 على التصريحات الإعلامية، بل انتقل إلى ساحات المحاكم ووزارة العدل في تصعيد هو الأول من نوعه تاريخياً. فقد كشف جيروم باول عن تلقي المجلس استدعاءات في إطار تحقيق جنائي يتعلق بتكلفة ترميم مبنى تابع للمجلس بلغت 2.5 مليار دولار، واصفاً هذه الخطوة بأنها "ذريعة" سياسية لمعاقبة البنك المركزي على استقلالية قراراته النقدية.
وفي جبهة أخرى، تترقب الأوساط القانونية قرار المحكمة العليا بشأن محاولة ترامب عزل المحافظة ليزا كوك بناءً على مزاعم احتيال عقاري تنفيها بشدة، وهو إجراء لم يسبق لأي رئيس أمريكي القيام به في تاريخ المجلس الممتد لـ 112 عاماً. ويبدو أن القضاة يميلون حالياً للسماح لها بالبقاء في منصبها، مما يمثل صفعة قانونية لمحاولات الإدارة السيطرة على مفاصل القرار داخل البنك المركزي.
مستقبل رئاسة الفيدرالي.. هل يقترب رحيل جيروم باول؟
مع اقتراب انتهاء ولاية جيروم باول في مايو المقبل، تزداد التكهنات حول هوية الشخصية التي سيختارها ترامب لرئاسة المجلس، وسط تلميحات رئاسية بقرب صدور إعلان بهذا الشأن خلال الأسبوع الجاري.
هذه الرغبة المحمومة في تغيير القيادة تهدف بشكل أساسي إلى تعيين شخصية أكثر استجابة لمطالب خفض الفائدة السريع، إلا أن هذه الجهود ربما أتت بنتائج عكسية داخل الكونجرس. فقد أعرب عدد من الجمهوريين البارزين في مجلس الشيوخ عن دعمهم القوي لباول، مهددين بمنع تعيين أي مرشح جديد يراه الشيوخ أداة لتنفيذ أجندة سياسية تضر باستقلالية السياسة النقدية. إن معركة خلافة باول لن تكون مجرد تغيير إداري، بل ستكون اختباراً حقيقياً لمدى صمود المؤسسات الأمريكية أمام رغبات السلطة التنفيذية في الهيمنة على الاقتصاد.
توقعات الأسواق.. الاقتصاد الأمريكي بين مطرقة الضرائب وسندان الفائدة
تترقب الأسواق العالمية المؤتمر الصحفي لجيروم باول اليوم، بحثاً عن إشارات حول "المدى الزمني" الذي سيظل فيه الفيدرالي محتفظاً بسياسته الحالية. الاقتصاد الأمريكي في عام 2026 يعيش حالة من الترقب، فبينما تظهر مؤشرات على انتعاش محتمل واستقرار في معدلات البطالة، تظل الرسوم الجمركية الشاملة التي فرضها ترامب في أبريل الماضي عامل ضغط مستمر على تكلفة المعيشة والإنتاج.
الخبراء الاقتصاديون يرجحون أن يلتزم باول بنبرة حذرة، مؤكداً أن الفيدرالي "سيتحرك بناءً على البيانات لا السياسة"، وهي رسالة موجهة للأسواق لطمأنتها بأن البنك المركزي لا يزال يمتلك الزمام، رغم العواصف السياسية التي تضرب مبنى "إيكلز" من كل اتجاه، مما يجعل عام 2026 العام الأكثر حرجاً في تاريخ النظام المالي الأمريكي المعاصر.