ads
الخميس 04 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

الهيئة العامة لمحكمة النقض تحسم الخلاف حول نطاق الاستئناف الفرعي وتقر مبدأ ملزما

المستشار عاصم الغايش
المستشار عاصم الغايش

في حكمٍ تاريخيٍّ بالغ الأهمية، حسمت الهيئة العامة للمواد المدنية والتجارية ومواد الأحوال الشخصية بمحكمة النقض أحد أكثر الخلافات الفقهية والقضائية تعقيدًا بشأن نطاق وشروط الاستئناف الفرعي، واضعةً حدًا لتباين المبادئ بين دوائر المحكمة حول المرخص له بإقامته وحالات جوازه. 

وجاء هذا الحكم في الطعن رقم ٨٤٧٣ لسنة ٩٤ قضائية "هيئة عامة"، ليُرسِّخ مبدأً قضائيًا مُلزِمًا يُعيد الانضباط إلى قواعد الطعن، ويؤكد أن الاستئناف الفرعي رخصة استثنائية لا تُتاح إلا لمن كان محكومًا له وعليه في آنٍ واحد، تحقيقًا للتوازن بين أطراف الخصومة ومنعًا لإطالة أمد النزاع.

محكمة النقض تُوحِّد المبادئ بشأن الاستئناف الفرعي وفقًا للمادة ٢٣٧ مرافعات

أرست الهيئة العامة للمواد المدنية والتجارية ومواد الأحوال الشخصية وغيرها برئاسة القاضي عاصم عبد اللطيف الغايش رئيس محكمة النقض بعضوية القضاة فراج عباس عبد الغفار ، وعطاء محمود سليم وممدوح محمد علي القزاز ، ومحمد عبد الراضي الشيمي ومحمد رشاد أمين ، وعبد الفتاح أحمد علي أبو زيد وإبراهيم أحمد محمد الضبع ، ومحمد خليفة علي البري وبدوي إبراهيم عبد الوهاب ، وعمر الفاروق عبد المنعم منصور نواب رئيس المحكمة بحضور المحامي العام لدى محكمة النقض أحمد حماد الشافعي وأمين السر إبراهيم محمد عبد المجيد في الجلسة العلنية المُنعقدة بمقر المحكمة بدار القضاء العالي بمُحافظة القاهرة، في يوم الثلاثاء ٢٤ من رجب سنة ١٤٤٧ه المُوافق ١٣ من يناير سنة ٢٠٢٦م.

أصدرت الحُكم الآتي:

في الطعن المُقيَّد في جدول المحكمة برقم ٨٤٧٣ لسنة ٩٤ ق "هيئة عامة".

المرفوع من رئيس مجلس إدارة الشركة القابضة لكهرباء مصر بصفته ضد شركة مدينة مصر للإسكان والتعمير (حاليًا) شركة مدينة نصر للإسكان والتعمير (سابقا) ويمثلها العضو المُنتدب بصفته مُحافظة القاهرة.

الوقائع

في يوم ٢٠٢٤/٣/١٢م طُعِن بطريق النقض في حُكم محكمة استئناف القاهرة "مأمورية شمال القاهرة" الصادر بتاريخ ٢٠٢٤/١/١٦م في الاستئناف رقم ١٢٠٩٩ لسنة ٢٧ ق، وذَلِك بصحيفة طلبت فيها الشركة الطاعنة الحُكم بقبول الطعن شكلًا، وفي الموضوع بنقض الحُكم المطعون فيه والإحالة.

وفى ٢٠٢٤/٤/١٦م أُعلِنّت الشركة المطعون ضدها بصحيفة الطعن.

ثم أودعت النيابة مُذكرة، دفعت فيها بعدم قبول الطعن لرفعه من غير ذي صفة ما لم يقدم المُحامي رافع الطعن - وحتى قفل باب المُرافعة فيه - التوكيل الصادر من الطاعنة لمن وكّلَها في رفْعِ الطعن أو صورة رسمية منه وكان يخوله توكيل الغير في إقامة الطعن بالنقض، وأبدت فيها الرأي برفض الطعن.

وبجلسة ٢٠٢٥/٥/٢٩م عُرِض الطعن على المحكمة - أمرت بوقف تنفيذ الحُكم المطعون فيه بعد أنْ قدَّم المُحامي سند الوكالة المُشار إليه - وحدَّدت جلسة لنظره في غُرفة مشورة.

وبجلسة ٢٠٢٥/٧/١م عُرِض الطعن على المحكمة - في غُرفة مشورة - فرأت أنَّه جدير بالنظر وحدَّدت لنظره جلسة للمُرافعة.

وبجلسة ٢٠٢٥/٨/٢٨م قرَّرَت الدائرة المُحيلة إحالة الطعن إلى الهيئة العامة للمواد المدنية والتجارية ومواد الأحوال الشخصية وغيرها للأخذ بالمبدأ الذي قرَّرَته أحكام الاتجاه الأول من أنَّ المُستأنّف عليه الذي أجازت له المادة ٢٣٧ مُرافعات إقامة استئناف فرعي هو الخصم الحقيقي المحكوم له وعليه في ذات الوقت بشيء للمُستأنِف في الاستئناف الأصلي، والعدول عمَّا عداه من المبادئ الأُخرى.

ثم أودعت النيابة مذكرة تكميلية، دفعت فيها أصليًّا: بعدم قبول طلب الإحالة للهيئة العامة للمواد المدنية، واحتياطيًا: اعتماد الاتجاه الثاني المقرر لقبول الاستئناف الفرعي، بإتاحة إقامة المُستأنف عليه استئنافًا فرعيًّا باعتباره استثناء من القواعد العامة المتعلقة بميعاد الطعن بالنسبة للاستئناف أجازه المشرع للمستأنف عليه بعد مُضي مِيعاد الاستئناف وبعد قبوله حُكم أول درجة قبل رفع الاستئناف الأصلي من خصمه باعتبار أنَّ قبوله لهذا الحُكم قبل رفْع الاستئناف الأصلي كان مُعلقًا على شرط أنْ يكون مقبولًا من الطرف الآخر، دون اشتراط أنْ يكون مقضيًا برفض طلباته كلها أو بعضها، واستبعاد الاتجاه الأول.

وبجلسة ٢٠٢٥/١٢/٣٠م نُظر الطعن أمام الهيئة العامة للمواد المدنية والتجارية ومواد الأحوال الشخصية وغيرها على النحو المُبَيَّن بمحضر الجلسة، حيث صمَّمَت النيابة على ما جاء بمُذكرتها التكميلية، وقرَّرَت الهيئة إصدار حكمها بجلسة اليوم.

المحكمة

بعد الاطِلاع على الأوراق، وسماع التقرير الذي تلاه القاضي المقرر محمد عبد الراضي عياد محمد الشيمي - نائب رئيس المحكمة - والمُداولة.

تخلص واقعة الأوراق - حسبما يَبِين منها والحُكم المطعون فيه - من أنَّ الشركة الطاعنة خاصمت الشركة المطعون ضدها بالدعوى الرقيمة ٣٤٧٦ لسنة ٢٠٠٩ مدني كُلي شمال القاهرة لتثبيت ملكيتها على عين التداعي المبينة وصفًا وتفصيلًا، متذرعة بأنَّها تضع يدها بنِيَّة التَّمَلُّك على الأرض المُقامة عليها منشآت الشركة منذ عام ١٩٧١ دون منازعة من أحد، وإذ تعرضت لها الشركة المطعون ضدها مُدَّعِية ملكيتها لتلك الأرض، ولرغبتها في الحصول على سند ملكية أقامت دعواها التي تداولت أمام محكمة الدرجة الأولى وندبت خبيرًا فيها لتحقيق عناصر وضع اليد على عين التداعي، وبعد أن أتم مأموريته بإيداع تقريره، أُعيد تداول الدعوى أمام المحكمة، وبجلسة ٢٠١٩/٥/٥ وجهت الشركة المطعون ضدها بمحضرها دعوى فرعية بالزام الشركة الطاعنة بأداء مبلغ مالي فأمهلتها المحكمة أجلًا للإعلان بالطلبات ولم تُنفذ. 

وبتاريخ ٢٠١٩/٦/٢٣ حَكَمت المحكمة برفض الدعوى الأصلية للشركة الطاعنة، وبعدم قبول دعوى الشركة المطعون ضدها - الفرعية - شكلًا بحُكم استأنفته الشركة الطاعنة بالاستئناف رقم ٩٥٣٥ لسنة ٢٣ ق استئناف القاهرة وبموجب صحيفة أودعت قلم كُتَّاب تلك المحكمة بتاريخ ٢٠٢٠/٨/١٩ استأنفت الشركة المطعون ضدها ذات الحُكم الابتدائي بالاستئناف الفرعي الرقيم ٦٧٣٤ لسنة ٢٤ ق القاهرة وبتاريخ ٢٠٢٣/٢/٢١ قضت المحكمة: -

أولًا: في استئناف الشركة الطاعنة الرقيم ٩٥٣٥ لسنة ٢٣ ق برفضه وتأييد الحُكم المُستأنف في الدعوى الأصلية.

ثانيًا: في استئناف الشركة المطعون ضدها الرقيم ٦٧٣٤ لسنة ٢٤ ق بقبوله شكلًا، وفي موضوعه بإلغاء الحُكم المُستأنف في شق الدعوى الفرعية والقضاء بقبولها شكلًا وإعادتها لمحكمة أول درجة لنظرها للفصل في موضوعها.

وإذ أعيد تداول الدعوى الفرعية أمام محكمة الدرجة الأولى مرة أُخرى، وبموجب صحيفة مُعلنة للشركة الطاعنة، أعلنت الشركة المطعون ضدها طلباتها الختامية: بطرد الشركة الطاعنة من عين التداعي وإزالة ما عليها من مُنشآت على حساب تلك الشركة وتسليمها خالية مع إلزامها بأداء مبلغ مقداره ثمانية ملايين وخمسة وسبعون ألفًا ومائة وثمانية وعشرون جنيها ومحكمة أول درجة عادت وحَكّمت برفض الدعوى الفرعية للشركة المطعون ضدها التي استأنفت ذلك الحكم بالاستئناف الرقيم ١٢٠٩٩ لسنة ٢٧ ق لدى محكمة استئناف القاهرة التي قضت بتاريخ:٢٠٢٤/١/١٦)

١)  بإلغاء الحُكم المُستأنف فيما قضى بشأن رفض طلبي الطرد والتسليم، والقضاء مجددًا بطرد الشركة الطاعنة من أرض التداعي وتسليمها للشركة المطعون ضدها. 

(٢) إلغاء الحكم المستأنف بشأن رفض طلب التعويض وإلزام الشركة الطاعنة بأداء مبلغ مقداره أربعة ملايين جنيه تعويضًا للشركة المطعون ضدها.

طعنت الشركة الطاعنة في هذا الحكم بطريق النقض بالطعن الرقيم ٨٤٧٣ لسنة ٩٤ ق. وقدمت النيابة مُذكرة، أبدت فيها الرأي برفض الطعن، وإذ عُرض الطعن على الدائرة المُختصة أمرت بوقف تنفيذ الحُكم المطعون فيه وحدِّدت جلسة لنظر الموضوع وفيها التزمت النيابة رأيها.

تأصيل الاستئناف الفرعي المرخص له بإقامته قانونا

 ونظرًا لتعارض الأحكام الصادرة من دوائر محكمة النقض بشأن تأصيل الاستئناف الفرعي من حيث المرخص له بإقامته قانونًا، وحالات إجازته ونطاقه، وخصومه، وسُلطة محكمة الدرجة الثانية عند نظره بإعطائه الوصف القانوني الصحيح له إلى اتجاهين: -

 أولهما: الاتجاه الراجح الذي استقر على أنّ المستأنف عليه الذي أجاز له المشرع بالمادة ٢٣٧ من قانون المرافعات رقم ١٣ لسنة ١٩٦٨ المُعدل إقامة استئنافٍ فرعيّ بعد قبوله الحُكم المستانف وقبل إقامة الاستئناف الأصلي، أو بعد مُضي ميعاد الاستئناف الأصلي، هو ذلك الخصم الحقيقي المحكوم له وعليه في ذات الوقت بشيء للمستأنف الأصلي، أما إذا كان كلِ منهما محكومًا عليه أو مقضيًا برفض كل طلباته أو بعضها فقط قبَل الآخر، فإنَّ استئنافه يكون استئنافًا أصليًّا لانتفاء العِلَّة آنذاك من إجازة الاستئناف الفرعي.

ثانيهما: الاتجاه المرجوح الذي استقر على أنَّ الاستئناف المُقابل الذي يرفعه المستأنف عليه يُعد استئنافًا فرعيًّا يتبع الاستئناف الأصلي ويزول بزواله، إذا أقامه بعد مضي ميعاد الاستئناف أو بعد قبوله الحُكم المستأنف قبل رفع الاستئناف الأصلي، وذلك بالإجراءات المُعتادة الخاصة برَفْع الاستئناف أو بمُنكرة مُشتملة على أسباب استئنافه، وسواء قضي برفض كل أو بعض طلبات المستأنف عليه أمام محكمة الدرجة الأولى، لمطلق نص المادة ٢٣٧ مرافعات دون تخصيص بحالات معينة لإجازة الاستئناف الفرعي من عدمه.

وإزاء هذا التباين في المبادئ قرَّرت الدائرة المختصة بجلستها المعقودة بتاريخ ٢٠٢٥/٨/٢٨ إحالة الطعن إلى الهيئة العامة للمواد المدنية والتجارية والأحوال الشخصية إعمالا لنص الفقرة الثانية من المادة الرابعة من قانون السلطة القضائية الصادر بالقرار رقم ٤٦ لسنة ١٩٧٢م المُعدل للفصل في هذا الاختلاف وإقرار المبدأ الذي قرَّرَته أحكام الاتجاه الأول والعدول عن المبدأ الذي قررته أحكام الاتجاه الثاني.

وإذ حدَّدت الهيئة العامة للمواد المدنية والتجارية والأحوال الشخصية وغيرها بالمحكمة جلسة الثلاثين من ديسمبر للعام الميلادي ألفين وخمسة وعشرين لنظر الطعن، وفيها أودعت النيابة العامة لدى محكمة النقض مُذكرة دفعت فيها بعدم قبول طلب الإحالة للهيئة العامة للمواد المدنية - أصليًا - وأبدت الرأي باعتماد الاتجاه الثاني المقرر لقبول الاستئناف الفرعي، بإتاحة إقامة المستأنف عليه استئنافًا فرعيًّا، باعتباره استثناءً من القواعد العامة المتعلقة بميعاد الطعن بالنسبة للاستئناف أجازه المشرع للمستأنف عليه بعد مُضي ميعاد الاستئناف وبعد قبوله حُكم أول درجة قبل رفْع الاستئناف الأصلي من خصمه، باعتبار أنَّ قبوله لهذا الحُكم قبل رفعه الاستئناف الأصلي كان معلقًا على شرط أنْ يكون مقبولا من الطرف الآخر، دون اشتراط ألّا يكون مقضيًا برفض طلباته كلها أو بعضها، واستبعاد الاتجاه الأول.

وحيث تداولت الهيئة في المسألة المعروضة عليها من الدائرة المُحيلة والتزمت النيابة رأيها وقرَّرَت الهيئة إصدار حكمها بجلسة اليوم.

وحيث إنّ مبنى الدفع المبدى من النيابة أن الحُكم الصادر بتاريخ ٢٠٢٣/٢/٢١ من محكمة استئناف القاهرة بتأييد الحُكم المستأنف فيما قضى به في موضوع الدعوى الأصلية وبالغائه والإعادة فيما قضى به في الطلب العارض المُبدى من الشركة المطعون ضدها أن هذا الحكم حاز قوة الأمر المقضي بشأن قبول استئناف الشركة المطعون ضدها على قضاء الحُكم المستأنف بعدم قبول الطلب العارض المُبدى منها شكلًا، وكان الطعن المائل لم يحو طعنًا على ذلك القبول، بما لا يجوز معه معاودة التصدي له وإحالة الطعن بشأنه إلى الهيئة العامة لمحكمة النقض لمسألة تتعلق بشكل الاستئناف.

وحيث إنَّ هذا الدفع في غير محله، ذلك أنَّ الفقرة الثانية من المادة الرابعة بقانون السلطة القضائية رقم ٤٦ لسنة ١٩٧٢م قد نصت صراحةً على أنَّه "وإذا رأت إحدى دوائر المحكمة العدول عن مبدأ قانوني قررته أحكام سابقة.

أحالت الدعوى إلى الهيئة المُختصة بالمحكمة للفصل فيها وتصدر الهيئة أحكامها بالعدول بأغلبية مبعة أعضاء على الأقل."

وحيث إنَّه لمّا كان ذلك، وكانت مسألة الاستئناف الفرعي المرفوع من الشركة المطعون ضدها مطروحةً بالطعن الماثل ومثار الأمر بشأنه نظرًا لاختلاف دوائر محكمة النقض في الترخيص به من عدمه على هذه الصورة.

 وكان اختصاص الهيئة العامة للمواد المدنية وغيرها بالمحكمة يستوجب عليها التصدي لهذا الأمر لتوحيد المبدأ القانوني الذي يحكمه.

 وكان دفع النيابة بعدم قبول الإحالة للهيئة العامة يشكل تجاوزا من جانبها للمسألة المثارة والمعروضة على هذه الهيئة.

 إذ إنَّه يُعد استباقًا لترجيح أحد المبدأين المُشار إليهما، فضلًا عن أنَّه افتئات على سُلطة الدائرة المُحيلة في التصدي للفصل في الطعن، وعليه فغير مقبول.

وحيث إنَّ الطعن قد سبق قبوله شكلًا من الدائرة المُحيلة.

وحيث إنَّه وعن المسألة المعروضة على الهيئة، فإنَّ المشرع انتظم بقانون المرافعات المدنية والتجارية رقم ١٣ لسنة ١٩٦٨م المُعدل، بالفصل الأول من الباب الثاني عشر بدءًا من المادة ٢١١ حتى المادة ٢١٨ منه الأحكام العامة لطرق الطعن في الأحكام وهي أحكام آمرة لا يجوز مُخالفتها لتعلقها بأصول وأمس القضاء المصري. 

ثم أردف المشرع بعد ذلك بالفصل الثاني من ذات الباب المُشار إليه سلفًا الأحكام المُتعلقة باستئناف الأحكام بدءًا من المادة ٢١٩ من ذات القانون وحتى المادة ٢٤٠ منه وهي أحكام تحمل ذات الصبغة الآمرة ما عدا ما نص عليه بعجز المادة ٢١٩ من القانون على أنَّه "ويجوز الاتفاق ولو قبل الدعوى على أن يكون حُكم محكمة الدرجة الأولى انتهائيًا".

وحيث إنّه وباستقراء مجمل المواد المشار إليها آنفًا يتبين أنَّ المشرع حرص على اتباع منهج صارم لصياغة تلك المواد لتعلق الأمر بأحد أصول التقاضي الهامة ألا وهو طُرق ومواعيد الطعن في الأحكام، بغية الموازنة بين طرفي التقاضي ودون الجنوح لأحدهما.

وحيث إنَّه ومراعاة لهذا البعد فقد أتاح المشرع للمستأنف عليه أنْ يتدارك ما قد يسبق إليه خصمه - المستأنف - بعد صدور حُكم محكمة الدرجة الأولى فنص بالمادة ٢٣٧ من قانون المرافعات على أنَّه "يجوز للمستأنف عليه إلى ما قبل إقفال باب المُرافعة أن يرفع استئنافًا مقابلًا بالإجراءات المُعتادة أو بمُذكرة مُشتملة على أسباب استئنافه.

فإذا رفع الاستئناف المُقابل بعد مُضي ميعاد الاستئناف أو بعد قبول الحُكم قبل رفع الاستئناف الأصلي اعتبر استئنافًا فرعيًا يتبع الاستئناف الأصلي ويزول بزواله" وبذلك أجاز المشرع للمستأنف عليه بصدر المادة المنكورة أخيرًا أن يرفع استئنافًا مقابلًا - أصليًا - بمُذكرة مُشتملة على أسبابه، خلافًا لما نصت عليه المادة ٢٣٠ من ذات قانون المرافعات على أن يُرفع الاستئناف بصحيفة تودع قلم كُتَّاب المحكمة المرفوع إليها الاستئناف وفقًا للأوضاع المُقرِّرة لرفع الدعوى".

كما أجاز له أنْ يرفع استئنافًا فرعيًا يتبع الاستئناف الأصلي، بعد مُضي ميعاد الاستئناف أو بعد قبول الحُكم قَبْل رفع الاستئناف الأصلي وذلك على خلاف ما نصت عليه المواد ٢٢٧ ،٢١٥ ،٢١٣ ،٢١١ من قانون المُرافعات وإذ كان المشرع قد استنَّ هذه السُنة بالنسبة للمستأنف عليه، وولوج طريقها فذلك لحكمة تغياها دون أنْ يجنح لأحد طرفي التقاضي بما يخل بمبدأ العدالة الهادف إليه، وتلك الغاية من المادة ٢٣٧ مرافعات مار نكرها، هي أن يتدارك المستأنف عليه - في الاستئناف الأصلي - ما قد يسبق إليه أو يباغته به المستأنف في ذات الاستئناف بعد صدور الحُكم الابتدائي الذي يبادر المستأنف عليه بقبوله، فيفاجئه المستأنف برفع استئناف عن ذلك الحُكم، أو بعد مُضي ميعاد الاستئناف.

وعليه فقد أتاح المشرع للمستأنف عليه في هاتين الحالتين أن يرفع استثنافًا يواجه به مسلك المستأنف في الاستئناف الأصلي، وذلك سواء بالإجراءات المُعتادة لرفع الدعوى أو بمذكرة مشتملة على أسباب الاستئناف يقدمه أمام محكمة الدرجة الثانية.

 ولما كان من المستقر عليه - حسب طبائع الأمور - أنَّ الضرورة تقدر بقدرها، وأنَّ الاستثناء لا يتوسع فيه ولا يُقاس عليه ومن ثم فإنَّ ما قرَّرَه المشرع بالمادة ٢٣٧ مرافعات من جواز إقامة استئناف فرعي على خِلاف طُرُق ومواعيد الطعن في الأحكام المنصوص عليها بذات القانون والسابق مردها، هو رُخصة استثنائية لا يُقاس عليها ولا يتوسع فيها.

وحيث إنَّه وإزاء فُقدان النص التفسيري لتلك المادة فإنَّه يتعين وضع ضوابط جامعة مانعة لها بما لا يخرجها عن الغاية من تقريرها، هذا ولمًا كان المشرع قد أقام صلة ورابطة عضوية ما بين المستأنف الأصلي والمستأنف عليه في ذات الاستئناف حال تقريره تلك الرُخصة الاستثنائية للمذكور أخيرًا ذلك أنَّه ربط جواز إقامة المستأنف عليه لاستئنافه الفرعي في كلتا الحالتيْن المُشار إليهما أنفًا هو إقامة استثناف أصلي بداءة من خصمه. 

كما أكد تلك الرابطة حين نص بالمادة ٢٣٩ من قانون المرافعات على أنَّ "الحُكم بقبول ترك الخصومة في الاستئناف الأصلي يستتبع الحُكم بِبُطلان الاستئناف الفرعي...".

وحيث إنَّه وترتيبًا على ما سَبَق واستنادًا إليه فإنَّ تلك الرابطة أو الصلة بين المستأنف الأصلي والمستأنف عليه، تستتبع وبطريق اللزوم العقلي للأمور أنْ يكون هناك قضاءً مشتركّ بينهما من الحُكم الابتدائي ولا يتصور ذلك ولا يستساغ إلّا أنْ يكون حُكم محكمة الدرجة الأولى قد قضى بإلزام كل منهما لصالح الآخر حتى تتحقق الحكمة من تقرير هذا الاستثناء بالمادة ٢٣٧ مرافعات، وحتى يمكنهما سويًّا من تسوية النزاع بينهما وديًا أمام محكمة الدرجة الثانية.

وأما القول بغير ذلك بإجازة الاستثناف الفرعي أيًا كان قضاء الحُكم الابتدائي ولو برفض كُل أو بعض طلبات المستأنف عليه أمام محكمة أول درجة، فإنَّ هذا الاتجاه يجعل الاستثناء حقًّا دائمًا للمستأنف عليه يجنح بالعدالة إلى جانبه دون مسوغ قانوني أو سبب مشروع بعد أن أتاح له المشرع أن يُقيم استئنافًا خلال الميعاد القانوني، ثم أباح له رخصة استثنائية بإقامة استئناف فرعي على خلاف قواعد المرافعات، كما وأنّ التوسع في الاستئناف الفرعي والأخذ بهذا الاتجاه يُطيل أَمَد التقاضي بما يؤدي إلى تأبيد المنازعات واللّدّد في الخصومة من جانب المستأنف عليه، بما يعصف بمفهوم العدالة القائمة على مراعاة التوازن بين أطراف التقاضي، وهو ما ينأى بالمشرع عما ابتغاه.

وحيث إنَّه وبناءً على ما تقدم، فقد انتهت الهيئة وبإجماع الآراء وإعمالا لنص الفقرة الثانية من المادة الرابعة من قانون السلطة القضائية رقم ٤٦ لسنة ١٩٧٢ المُعدل، العدول عن المبدأ الذي تبناه الاتجاه الثاني الذي أجاز الاستئناف الفرعي سواء كان المستأنف عليه محكومًا له أو عليه أو مقضيًا برفض طلباته كلها أو بعضها قبَل المستأنف الأصلي وإقرار المبدأ الذي تبناه الاتجاه الأول من أنّ المستأنف عليه الذي أجازت له المادة ٢٣٧ من قانون المرافعات إقامة استئناف فرعيّ، ولو بعد قبوله الحكم المستأنف - قبل إقامة الاستئناف الأصلي - أو مضي ميعاده، هو الخصم الحقيقي المحكوم له وعليه في ذات الوقت بشيء للمستأنف في الاستئناف الأصلي. 

أما إذا كان كل منهما محكومًا عليه أو مقضيًا برفض كل طلباته أو بعضها قبل الآخر، فإنَّ استئنافه يكون استئنافًا أصليًا.

وعليه وبعد أنْ فصلت الهيئة في المسألة المعروضة عليها، فإنَّها تُعيد الطعن إلى الدائرة المُحيلة للفصل فيه وفقًّا لما سبق وإعمالًا لأحكام القانون.

لذلك

حَكَمَت الهيئة العامة وبإجماع الآراء : -

أولا: بإقرار المبدأ الذي يقضي بأنَّ المستأنف عليه الذي أجازت له المادة ٢٣٧ من قانون المرافعات إقامة استئناف فرعي بعد قبوله الحُكم المستأنف - قَبْل إقامة الاستئناف الأصلي - أو مُضي ميعاد الاستئناف الأصلي، هو الخصم الحقيقي المحكوم له وعليه في الوقت ذاته بشيء للمستأنف في الاستئناف الأصلي، أما إذا كان كل منهما محكومًا عليه أو مقضيًا برفض طلباته كلها أو بعضها قِبَل الآخر، فإنَّ استئنافه يكون استئنافًا أصليًّا.

ثانيًا: بإعادة الطعن إلى الدائرة المُحيلة للفصل فيه.

تم نسخ الرابط