ads
الخميس 04 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

الكفن لم ينهِ الدم.. مقتل "فارس الكفن" يعيد شبح الثأر لقرية العزيزية بالبدرشين

خلفية الصراع
خلفية الصراع

لم يدم الهدوء الذي خيّم على قرية العزيزية بمركز البدرشين طويلاً، فما ظن الأهالي أنه نهاية لسنوات من الدم والدموع، تحول في لحظة غادرة إلى كابوس جديد أعاد شبح الثأر ليتصدر المشهد في مطلع عام 2026.

 إن مقتل "فارس"، الشاب الذي وقف قبل أسابيع قليلة أمام حشد من الأهالي ورجال القضاء والأمن حاملاً كفنه على يده كرمز للإذعان والرغبة في حقن الدماء، يمثل صدمة اجتماعية وأمنية كبرى هزت أركان محافظة الجيزة.

هذه الواقعة لم تكن مجرد حادث قتل جنائي، بل كانت إعلاناً صريحاً عن فشل مراسم الصلح الورقية في انتزاع بذور الضغينة من النفوس، لتثبت المأساة من جديد أن طريق الدم لا ينتهي بمجرد وليمة عامة أو توقيع عقود، بل يحتاج إلى عدالة اجتماعية أعمق تضمن عدم خروج المتربصين عن النص الذي كُتب بماء الصلح، مما يضع المجتمع بأسره أمام تساؤل مرير: كيف يُقتل من قدّم حياته ثمناً للسلام؟

خلفية الصراع: مشاجرة أطفال تفتح أبواب الجحيم على أسرتي العزيزية

تعود جذور هذه المأساة إلى واقعة قديمة بدت في بدايتها تافهة، حيث نشبت مشاجرة بين عدد من الأطفال في أزقة قرية العزيزية، لكنها سرعان ما استدعت الكبار لتتحول لعلاقات الجيرة الطيبة إلى جحيم مستعر.

في تلك المواجهة، حاول والد أحد الأطفال الاعتداء على الطرف الآخر "أحمد وفدي" بسلاح ناري، وبمحض الصدفة تعطل السلاح، ليستل المعتدي سلاحاً أبيض، مما اضطر أحمد وفدي لانتزاعه والدفاع عن نفسه بطعنة أردت المعتدي قتيلاً. 

هذا الحادث كان الشرارة الأولى التي أدخلت العائلتين في نفق مظلم من التقاضي والتهديد، حيث عوقب أحمد وفدي بالسجن سبع سنوات، قضى منها جزءاً وخرج ليجد أن "سعيد"، شقيق القتيل، قد أعد له كميناً مسلحاً برفقة أقاربه، وهو الكمين الذي انتهى بمفارقة مأساوية أخرى حين لقي أحد المهاجمين مصرعه دهساً تحت عجلات سيارة أحمد أثناء محاولته الفرار من رصاص الغدر، لتتضاعف الخصومة وتتعقد خيوط الثأر أكثر فأكثر.

أمام هذا التطور الخطير الذي جعل من القرية ساحة حرب مفتوحة، لم تكتفِ الدائرة 20 بمحكمة جنايات الجيزة برئاسة المستشار أحمد عزيز الفقي بتطبيق نصوص القانون الصماء، بل استشعرت أن إصدار أحكام بالبراءة أو السجن دون صلح عرفي سيؤدي حتماً إلى "مجزرة" قادمة. 

ومن هنا، انطلقت مبادرة قضائية اجتماعية فريدة، نسقت خلالها المحكمة مع قيادات مديرية أمن الجيزة لفرض واقع جديد من الصلح، حيث اشترطت المحكمة تقديم "الكفن" وإقامة وليمة عامة وتوثيق ذلك رسمياً قبل النطق بالحكم.

 وبالفعل، شهد ديسمبر 2025 مشهداً مهيباً تقدم فيه "فارس" حاملاً كفنه نيابة عن عائلته، في خطوة ظنها القضاة والمحامون وأعضاء مجلس النواب الحاضرون أنها المسمار الأخير في نعش الفتنة، لتقضي المحكمة بعدها ببراءة أحمد وفدي وحبس المتهمين الآخرين سنة مع إيقاف التنفيذ، معتقدة أن الحياة قد انتصرت أخيراً في العزيزية.

كيف تحول "فارس الكفن" إلى الضحية الجديدة؟

لكن الواقع المرير أثبت أن الكفن لم ينهِ الدم، وأن الجراح التي لم تلتئم في النفوس كانت أسرع من حبر العقود الموثقة؛ فبعد أسابيع وجيزة من مراسم الصلح، تعرض "فارس" — بطل مشهد الكفن ورمز الإخاء الجديد — لواقعة قتل غادرة أعادت القرية إلى المربع صفر. 

هذا الحادث الجلل كشف عن هشاشة الاتفاقات العرفية التي لا تستند إلى تغيير حقيقي في العقلية الثأرية، حيث اعتبر المتربصون أن تقديم الكفن لم يكن كافياً لغسل عار الدم القديم، أو ربما كانت هناك أطراف خفية لم ترضَ بهذا الصلح منذ البداية

 إن مقتل فارس يفتح الباب أمام تساؤلات قانونية حول مصير الحكم الصادر مع إيقاف التنفيذ ضد المتهمين السابقين، كما يضع أجهزة الأمن في تحدٍ أمني مضاعف لمنع اندلاع حريق ثأر شامل قد يأتي على الأخضر واليابس في القرية، بعدما أثبتت التجربة أن الجاني والمجني عليه قد يتبادلان الأدوار في ثوانٍ معدودة.

 تظل واقعة العزيزية ومقتل فارس درساً قاسياً لكل من يظن أن القضايا الثأرية تنتهي بمجرد الصور التذكارية في سرادقات الصلح و إن هذه المأساة تؤكد أن العدالة الجنائية والصلح العرفي يجب أن يسيران جنباً إلى جنب مع برنامج اجتماعي ونفسي مكثف لأطراف النزاع، لضمان دفن جذور الثأر من النفوس قبل دفنها في محاضر الجلسات. 

تم نسخ الرابط