بعد غيبوبة وصراع مرير.. القاهرة تودع النجمة التونسية سهام قريرة بكلمات مؤثرة (تفاصيل اللحظات الأخيرة)
فقدت الساحة الفنية العربية والتونسية، اليوم الثلاث واحدة من أبرز وجوهها الإبداعية، الفنانة القديرة سهام قريرة، التي وافتها المنية في العاصمة المصرية القاهرة. وجاء رحيل الفنانة التونسية المقيمة في مصر بعد تدهور حاد ومفاجئ في حالتها الصحية، نتيجة تعرضها لحادث سير مروع قبل عدة أسابيع، وهو الحادث الذي أثار موجة من القلق والتعاطف الشعبي والرسمي في تونس ومصر على حد سواء.
سهام قريرة، التي عرفت بصوتها العذب وأدائها المسرحي المتمكن، تنضم اليوم إلى قائمة المبدعين الذين رحلوا تاركين إرثاً فنياً يجمع بين الأصالة التونسية والانفتاح على الساحة الفنية المصرية والعربية الكبرى.
تدهور الحالة الصحية واللحظات الأخيرة في المستشفى
أعلنت نقابة المهن الموسيقية في تونس، عبر بيان رسمي نعى فيه الوسط الفني، خبر الوفاة الذي وقع في وقت مبكر من يوم الثلاثاء. وأوضح ماهر همامي، نقيب المهن الموسيقية في تونس، في تصريحات إعلامية، أن الفنانة الراحلة كانت قد دخلت في حالة صحية "حرجة جداً" منذ لحظة وصولها إلى المستشفى في القاهرة عقب الحادث.
وأكد همامي أن الفريق الطبي بذل جهوداً مضنية لمحاولة إنقاذها، إلا أن الإصابات الخطيرة التي لحقت بجسدها حالت دون استجابتها للعلاج، لتلفظ أنفاسها الأخيرة بعيداً عن وطنها الأم تونس، ولكن في كنف بلدها الثاني مصر التي احتضنت موهبتها لسنوات طويلة.
لغز انقطاع الأخبار والتدخل الدبلوماسي التونسي
تعود جذور المأساة إلى شهر يناير الماضي، عندما تعرضت سهام قريرة لحادث مرور خطير رفقة شقيقها أثناء تواجدهما في مصر. وما زاد من صعوبة الموقف هو انقطاع أخبار الفنانة تماماً عن عائلتها في تونس لفترة من الزمن، مما تسبب في حالة من الرعب والغموض حول مصيرها.
وفي ظل هذا الانقطاع، بادرت نقابة المهن الموسيقية التونسية بالتحرك السريع، حيث تواصلت مع الفنانة التونسية "نرمين صفر" المقيمة بالقاهرة، والتي لعبت دوراً محورياً في ربط النقابة بالسفارة التونسية في مصر. هذا التحرك الدبلوماسي أسفر عن زيارة رسمية من وفد السفارة للمستشفى، حيث تم التأكد من هوية الفنانة والوقوف على حالتها الطبية المعقدة ومتابعة مستجدات وضعها الصحي لحظة بلحظة.
مسيرة فنية حافلة بالبصمات الغنائية والمسرحية
تعتبر سهام قريرة من الفنانات اللواتي تميزن بتعدد المواهب؛ فهي لم تكتفِ بالغناء فحسب، بل كانت وجهاً بارزاً في المسرح التونسي، وشاركت في العديد من الأعمال التي تركت أثراً عميقاً في الوجدان المحلي. تميزت أعمالها بالدمج بين الهوية التونسية والقوالب الفنية الحديثة، مما مكنها من تكوين قاعدة جماهيرية في مصر خلال سنوات إقامتها هناك.
ويؤكد النقاد أن رحيلها يمثل خسارة لجسر فني هام بين تونس ومصر، حيث كانت تسعى دائماً من خلال فنها إلى تقريب المسافات الثقافية، وتقديم صورة مشرفة للفنان التونسي الملتزم والمبدع في مختلف المحافل والمهرجانات العربية التي شاركت فيها على مدار مسيرتها.
تفاعل الوسط الفني وحزن الجالية التونسية في مصر
بمجرد انتشار خبر الوفاة، تحولت صفحات التواصل الاجتماعي لعدد كبير من الفنانين التونسيين والمصريين إلى دفاتر عزاء، مشيدين بأخلاق الراحلة وتفانيها في عملها.
كما عبرت الجالية التونسية في القاهرة عن حزنها العميق لرحيل ابنتهم، مؤكدين أن سهام قريرة كانت تمثل لهم رمزاً للثقافة والجمال. ومن المتوقع أن يتم التنسيق بين السفارة التونسية في القاهرة ونقابة الموسيقيين لتسهيل إجراءات نقل الجثمان إلى تونس ليوارى الثرى في مسقط رأسها، تنفيذاً لرغبة عائلتها التي عانت من آلام البعد والترقب طوال فترة مرضها، بانتظار وداع أخير يليق بتاريخها الفني الطويل.
إرث سهام قريرة الذي لن يرحل
رغم الرحيل الجسدي المؤلم، تبقى أعمال سهام قريرة الغنائية والمسرحية شاهدة على موهبة فذة لم تنحنِ للصعاب. إن قصة وفاتها المأساوية بعد حادث السير الأليم تسلط الضوء مرة أخرى على المخاطر التي قد يواجهها الفنانون المغتربون، وتؤكد في الوقت ذاته على أهمية التضامن النقابي والدبلوماسي في اللحظات الحرجة.
ستظل سهام قريرة حاضرة في ذاكرة محبيها عبر تسجيلاتها وأعمالها التي وثقت فترة هامة من تطور الفن التونسي المعاصر، وسيبقى اسمها محفوراً كواحدة من الوجوه التي جسدت الطموح الفني العابر للحدود، ملهمةً الأجيال القادمة من الفنانين الشباب في تونس والوطن العربي.