ads
الخميس 04 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

ليس كل قتلٍ سواء، ولا كل دمٍ يُراق يُوزن بميزان واحد، ولا كل مجرمٍ يُقرأ بمعزل عن سياقه.
فالقتل درجات، والجريمة مراتب، وأشدها خطرًا ذلك الذي لا يقع فجأة، بل يُمهَّد له طويلًا بتجفيف منابع الرحمة في القلب، حتى يصير الدم أهون من المال، والإنسان أقل قيمة من الصفقة.
خرج الضابط يؤدي واجبه، لا يطلب بطولة ولا يبحث عن ذكر، وإنما خرج ليغلق طريق شرّ، ويواجه تجارة سوداء لا تعيش إلا على خراب البيوت، واغتيال العقول، وإفساد الأجيال.
وفي الجهة الأخرى، كان تاجر المخدرات قد خرج من إنسانيته منذ زمن؛ إذ لا يمكن لمن اعتاد هدم الشباب، وبيع السمّ، وتوسيع دوائر الإدمان، أن يبقى في قلبه موضع لرحمة أو تردّد.
فلم يكن ما جرى مجرد مواجهة، بل غدرًا مكتمل الأركان؛
والغدر لا يولد إلا في قلبٍ قاسٍ، والقلب لا يقسو إلا إذا تغذّى على الحرام، والحرام إذا استوطن القلب أفسده حتى لا يعود يرى في الدم حرمة.
وتاجر المخدرات ليس مجرمًا لحظةَ إطلاق الرصاص، بل قاتلٌ قبل ذلك بسنوات؛
يقتل العقل قبل الجسد، ويهدم البيت قبل أن يطلق النار، ويغتال المجتمع ببطء، جرعة بعد جرعة، حتى إذا وقف في وجهه من يحمي الناس، لم يتردّد في أن يضيف جريمة سريعة إلى سجل قتله البطيء.
ولم يكتفِ الغادر بذلك، فقد أودى بحياة الضابط بثماني طعنات غادرة، كل واحدة منها تعبير عن قسوة قلبه وجموح غروره على دم بريء.
ولم يكن كافيًا أنه قتله في مكانه، بل أضاف إلى جرمه عنصر الإهانة والاحتقار، حين قام هو وشريكه بإلقاء الجثة في مصرف صرافة، ليصبح القتل ليس مجرد فقدان حياة، بل إهانة عامة للكرامة، ورمزًا صارخًا للغدر والانحلال الأخلاقي.
ومن هنا يتجلّى بوضوح لماذا جاء التعبير القرآني بالغ الدقة حين وصف هؤلاء بقوله تعالى:
﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾.
لم يقل: يجرمون، ولا يعتدون، بل يحاربون؛ لأن فعلهم إعلان حرب على الحياة، وعلى الأمن، وعلى القيم الجامعة.
ثم جاءت العقوبة في أعلى درجات البيان والعدل، فقال تعالى:
﴿أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا﴾، ولم يقل: يُقتَلوا.
وهنا تتجلّى بلاغة التشديد؛ فـ «يُقَتَّلوا» صيغة مبالغة، لا تعني مجرد إزهاق روح، بل تعني أن الجريمة نفسها متكاثرة، متكررة، ممتدة.
فمن جعل القتل نهجًا، والفساد مهنة، والخراب مصدر رزق، لا يُعامل معاملة من زلّت به قدم، ولا يُنزل منزلته.
ومن هذا الفهم ينشأ الحق الشرعي والواقعي في اختيار عقوبة القتل صلبًا؛ فهي المرتبة الثانية بعد القتل المباشر، تحقق مراد القتل، وتضيف إليه مقصدًا آخر: الردع العام والزجر المجتمعي.
ففي عصر تبلّدت فيه مشاعر الناس تجاه عقوبة الإعدام، أصبح مجرد سماع الخبر عاجزًا عن إيقاظ الضمير، أما القتل صلبًا فإنه يُرى ويُشاهد بالعيان، ويترك أثرًا نفسيًا مباشرًا، فيُعيد للدم حرمة وللأمن هيبته، ويوقظ المجتمع ليُدرك خطورة الفساد والغدر.
ذلك الضابط لم يكن شخصًا، بل رمزًا للأمان، ووقتله لم يكن قتل فرد فحسب، بل محاولة لكسر هيبة الدولة وبث الرعب، وفتح الطريق للخراب.
رحم الله الشهيد الذي خرج ليحيا الناس، فمات ليحيا الضمير.
ولعن الله تجارةً لا تقوم إلا على الحرام، ولا تستمر إلا بقسوة القلوب، ولا تنتهي إلا بالغدر وسفك الدماء.
فالمكسب الحرام ينزع الرحمة من القلوب،
وإذا نُزعت الرحمة هان الدم،
وإذا هان الدم، لم يبقَ بعده إلا الخراب.

تم نسخ الرابط