ليس كل أذى يقع من الإنسان طارئًا أو عارضًا، فثمة نفوس جُبِلَت – أو رُبِّيت – على سوء القول وقبح الفعل، حتى غدا الأذى عندها ضرورة نفسية، لا تهدأ إلا إذا صبّت سمومها في الآخرين. تمرّ عليها الأيام، فإن لم تجد خصمًا في الطريق، أو غريمًا في المجالس، عادت إلى أهلها وأبنائها، بل ربما آذت نفسها، كأن الفُحش وقود حياتها، وكأن الشر شرط نومها وراحتها.
وهؤلاء لا يحملون رأيًا، ولا يدافعون عن مبدأ، ولا يطلبون حقًا- وإن كانوا يتوهمون ذلك - إنما تحركهم طاقة عدوانية عمياء، يشعلها الحقد، ويغذيها الحسد، وينميها الإحساس بالنقص والدونية، وتنفجر على هيئة سباب، وبذاءة، وسفاهة لفظ، وقذارة وصف. إنهم لا يعرفون للسان رسالة، ولا للكلمة قيمة، ولا للحياء وزنًا.
وليس هذا الصنف وليد عصرنا، بل هو قديم قِدَم الانحراف الإنساني؛ فقد عاصر رسولَ الله ﷺ شاعرٌ مشركٌ سليط اللسان، لا يتورع عن هجاء الرجال والنساء، ولا يتحرج من أفحش الألفاظ وأقذر الأوصاف، يهجو قومه، ويهجـو نفسه، ويهجـو الحق وأهله، حتى صار مثالًا للفُحش المجرد من كل معنى. فلما مرّ يومًا على رسول الله ﷺ، قال لأصحابه – وهو يشير إليه –:
«خُذُوا الشَّيْطَانَ، أَوْ أَمْسِكُوا الشَّيْطَانَ؛ لَأَنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ رَجُلٍ قَيْحًا خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا»
فجعل ﷺ الفُحش سمًّا قاتلًا، وبيّن أن فساد اللسان أشد من فساد الجسد.
وحذّر النبي ﷺ أصحاب العقول الراجحة والقلوب السليمة من الانزلاق إلى مستوى هؤلاء؛ لأنهم لا يعيشون إلا في مستنقع السباب، ولا يتقنون إلا معارك الإسفاف، فإذا نزل العاقل إلى ميدانهم ظنّوا ذلك نصرًا، وعدّوه ضعفًا، واتخذوه ذريعة لمزيد من القبح والانحطاط. إنهم كائنات طفيلية تتغذى على الصخب، وتنتعش في الفوضى، ولا يشفِي غليلها إلا فحيح اللسان، وبثّ السموم، وانتهاك القيم.
وقد رسم لنا النبي ﷺ منهج التعامل معهم بوضوح بالغ، حين استأذن عليه رجلٌ عُرِف بفُحش طبعه، فقال ﷺ:
«بِئْسَ ابْنُ الْعَشِيرَةِ»
ثم أذن له، وألان له القول. فلما تعجبت عائشة- رضي الله عنها- قال ﷺ:
«إِنَّ مِنْ شَرِّ النَّاسِ مَنْ تَرَكَهُ النَّاسُ – أَوْ وَدَعَهُ النَّاسُ – اتِّقَاءَ فُحْشِهِ».
إنه توصيف دقيق لمرض اجتماعي خطير: إنسان يُجتنَب لا لهيبة فيه، ولا لفضل، بل اتقاءً لشره. فهو عبء على عشيرته، ونقمة على مجتمعه، وبلاء أينما حلّ وارتحل. لا يأنس به كريم، ولا يصبر عليه عاقل، ويأنف من مصاحبته كل صاحب نفس أبية وذوق سليم، ولا يركن إليه، ويصاحبه، أو يعاشره، إلا خبيث النفس، مريض القلب، سيء الطوية.
وهنا تتجلى عظمة الهدي النبوي؛ فالمطلوب ليس مجاراتهم، ولا الرد عليهم بالمثل، بل باللين الحكيم، والصمت المتعالي، والتجاهل الذي يميت الفُحش في مهده. فالصمت أمام السباب ليس عجزًا، بل حكمة، وتجنّب الفاحش ليس جبنًا، بل خُلُق نبوي رفيع.
وقد أحسن الشاعر شِمْر بن عمرو الحنفي حين لخّص هذا الموقف الإنساني النبيل بقوله:
ولقد مررتُ على اللئيم يسبّني**
فمضيتُ ثمّتَ قلتُ لا يعنيني
غضبانُ ممتلئًا عليَّ إهابُه **
إنّي وربكِ سُخطُهُ يُرضيني.
وما من مجتمع – في أي زمان أو مكان – إلا ويُبتلى بأمثال هؤلاء، فهم شوائب الحياة، وعلل المجالس، وجراثيم تتغذى على القذارة، ينفثون سموم نفوسهم في الأجواء، ويكدّرون صفو العيش، ويهدمون الثقة بين الناس، ويُشِيعُون ثقافة البذاءة بدل ثقافة الأخلاق والقيم.
إن أخطر ما في هؤلاء أنهم يفسدون الذوق العام، ويطبعون الأجيال على القسوة، ويكسرون هيبة الكلمة، حتى يصبح الفُحش مألوفًا، والوقاحة جرأة، والسفاهة رأيًا. ومن هنا كان اتقاؤهم، وتجاهلهم، وعدم الانجرار إلى مستنقعهم، موقفًا أخلاقيًا، وخيارًا حضاريًا، واتباعًا صريحًا لهدي النبوة، وارتفاعًا عن الصغائر، وصيانةً للمجتمع من عدوى الانحطاط.