المركزي المصري ومؤسسة التمويل الدولية يطلقان أكبر منصة لتمويل مستقبل مستدام
في خطوة استراتيجية تعكس التزام الدولة المصرية بأجندة التنمية المستدامة، انطلقت فعاليات مؤتمر التمويل المستدام تحت عنوان «الابتكار من أجل الصمود: التمويل من أجل مستقبل مستدام». استضاف البنك المركزي المصري هذا الحدث الرفيع بالتعاون مع مؤسسة التمويل الدولية (IFC)، وبحضور كوكبة من صناع القرار والقادة الماليين من مختلف دول العالم.
يهدف المؤتمر إلى تسليط الضوء على الدور المحوري للقطاع المصرفي في مواجهة التحديات البيئية، وتحويلها إلى فرص استثمارية تسهم في تعزيز نمو الاقتصاد القومي.
وقد شهد الافتتاح كلمات قوية أكدت أن مصر لم تعد تكتفي بالخطط النظرية، بل انتقلت إلى مرحلة التنفيذ الفعلي عبر سياسات مالية مبتكرة تضع الاستدامة في قلب العمليات المصرفية اليومية، مما يعزز من مكانة القاهرة كمركز إقليمي للتمويل الأخضر في القارة الإفريقية والشرق الأوسط.

رؤية البنك المركزي لمواجهة مخاطر المناخ
أكد حسن عبد الله، محافظ البنك المركزي المصري، خلال كلمته الافتتاحية، أن قضية تغير المناخ قد تجاوزت كونها مجرد تحدٍ بيئي لتصبح قضية مالية واقتصادية بامتياز تؤثر على الاستقرار المصرفي العالمي.
وأوضح المحافظ أن البنك المركزي المصري اتخذ خطوات استباقية منذ عام 2021 بإصدار المبادئ الاسترشادية للتمويل المستدام، تلاها إصدار تعليمات رقابية ملزمة في عام 2022، وصولاً إلى توجيهات آلية تعديل حدود الكربون (CBAM) في عام 2025.
تهدف هذه الإجراءات إلى تحفيز البنوك العاملة في السوق المحلية لتبني معايير بيئية واجتماعية صارمة، وتوجيه الائتمان نحو المشروعات التي تساهم في خفض الانبعاثات الكربونية.
وأشار عبد الله إلى أن هذا التوجه لا يدعم الاستقرار المالي فحسب، بل يعزز من تنافسية الصادرات المصرية في الأسواق العالمية التي باتت تفرض معايير بيئية مشددة على السلع والخدمات.

شراكات استثمارية بـ 220 مليون دولار
على هامش المؤتمر، شهدت الفعاليات توقيع اتفاقيات تمويلية واستشارية ضخمة تعكس ثقة المؤسسات الدولية في القطاع المصرفي المصري.
حيث وقعت مؤسسة التمويل الدولية (IFC) بروتوكول تعاون مع بنك مصر تضمن حزمة استثمارية بقيمة 220 مليون دولار، منها 150 مليون دولار في صورة قرض مرتبط بالاستدامة لمدة ثلاث سنوات.

تهدف هذه الحزمة إلى دعم المحفظة الخضراء للبنك وتحديد الأصول المرتبطة بالمناخ بدقة وفقاً للمعايير الدولية. كما تم توقيع بروتوكول آخر مع البنك المصري لتنمية الصادرات لإطلاق برنامج استشاري يستهدف تطوير إطار متكامل لحوكمة البيانات وقياس أثر العمليات التمويلية الخضراء. تبرهن هذه الاتفاقيات على أن التعاون بين صُنّاع السياسات وشركاء التنمية الدوليين هو المفتاح لتوسيع نطاق تمويل المناخ ودعم التنمية المستدامة في مصر.
محاور النقاش وتعبئة رأس المال الخاص
شهد المؤتمر حلقات نقاشية مكثفة تناولت آليات تعبئة رأس المال الخاص لدعم العمل المناخي، وتطوير أدوات تمويل مبتكرة للمشروعات الخضراء.
ركز المتحدثون على أهمية الأطر التنظيمية والسياسات المحفزة التي تشجع القطاع الخاص على الدخول في استثمارات طويلة الأمد في قطاعات الطاقة المتجددة والتكنولوجيا الزراعية.
كما تم استعراض الفرص الاقتصادية الناشئة عن التحول المناخي، بما في ذلك خلق فرص عمل خضراء وتطوير أسواق جديدة تلبي احتياجات الاقتصاد منخفض الانبعاثات.
وأجمع المشاركون على أن بناء نظم مالية قادرة على الصمود يتطلب تنسيقاً وثيقاً بين الحكومات والمؤسسات المالية الدولية لضمان تدفق الاستثمارات نحو المناطق الأكثر احتياجاً، مع التركيز على دعم المشروعات متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة التي تمثل عصب الاقتصاد المصري.

التزام دولي ضمن برنامج 30by30
يأتي هذا المؤتمر كجزء من برنامج 30by30 العالمي الذي تقوده مؤسسة التمويل الدولية ومجموعة البنك الدولي، والذي يضم أربع دول رائدة هي مصر والمكسيك وجنوب إفريقيا والفلبين.
يهدف هذا البرنامج إلى دعم جهود الانتقال لاقتصاد شامل ومستدام من خلال مواءمة السياسات المالية الوطنية مع الأهداف المناخية العالمية.
وقد أشاد السيد إثيوبيس تافارا، نائب رئيس مؤسسة التمويل الدولية لشؤون أفريقيا، بالشراكة الممتدة مع مصر على مدار خمسين عاماً، مؤكداً التزام المؤسسة بمواصلة دعم الأولويات الوطنية المصرية.
إن انضمام مصر لهذا البرنامج الدولي يؤكد ريادتها في تبني حلول مالية مبتكرة تدعم النمو الشمول وتساهم في حماية البيئة، مما يجعل التجربة المصرية نموذجاً يحتذى به للدول الناشئة التي تسعى لتحقيق التوازن بين التنمية الاقتصادية والحفاظ على الموارد الطبيعية.


