المحكمة الدستورية تعيد الاعتبار لوزير الصحة في تعديل جداول المخدرات وتسقط قرارات "الدواء"
في جلسة تاريخية عُقدت اليوم الإثنين 16 فبراير 2026، أصدرت المحكمة الدستورية العليا برئاسة المستشار بولس فهمي إسكندر، حكماً قضائياً فاصلاً قضى بعدم دستورية قرار رئيس هيئة الدواء المصرية رقم 600 لسنة 2023. تضمن القرار المقضي ببطلانه استبدال الجداول الملحقة بقانون مكافحة المخدرات رقم 182 لسنة 1960، كما امتد الحكم ليشمل سقوط كافة القرارات السابقة واللاحقة التي أصدرها رئيس الهيئة في هذا الشأن.
وجاء هذا الحكم بناءً على إحالة من إحدى الدوائر الجنائية بمحكمة النقض، التي رأت وجود عوار دستوري في تغول هيئة الدواء على اختصاصات محددة قانوناً لجهة أخرى، وهو ما أيده قضاء المحكمة الدستورية اليوم معتبرة تلك القرارات كأن لم تكن منذ تاريخ صدورها لعدم استنادها إلى سند قانوني أو دستوري صحيح.
الافتئات على اختصاصات وزير الصحة
أسست المحكمة الدستورية العليا قضاءها الصادم للهيئة على سند من أن القرار المحال يمثل افتئاتاً صريحاً على التفويض التشريعي الممنوح حصرياً لوزير الصحة والسكان.
فبموجب المادة (32) من قانون مكافحة المخدرات، يمتلك وزير الصحة وحده سلطة تعديل الجداول الملحقة بالقانون، ورأت المحكمة أن حلول رئيس هيئة الدواء محل الوزير في بعض الاختصاصات بموجب قانون إنشاء الهيئة رقم 151 لسنة 2019 يقتصر فقط على تنظيم تسجيل وتداول ورقابة المستحضرات والمستلزمات الصيدلية، ولا يمتد ليشمل تعديل جداول المخدرات التي تترتب عليها عقوبات جنائية جسيمة.
وبذلك، اعتبرت المحكمة أن هيئة الدواء قد تجاوزت حدود سلطاتها القانونية، مما أدى إلى إهدار مبدأ سيادة القانون والمخالفة الصريحة لنصوص المواد (5، 94، 95، 101) من الدستور المصري الحالي.
حماية مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات
أكدت المحكمة في حيثيات حكمها أن تغول سلطة إدارية على اختصاص تشريعي يؤدي بالضرورة إلى الإخلال بمبدأ شرعية الجرائم والعقوبات، وهو المبدأ الذي يقضي بأنه "لا جريمة ولا عقوبة إلا بناءً على قانون".
وأوضحت المحكمة أن إدراج مواد كيميائية أو دوائية ضمن جداول المخدرات هو إجراء يترتب عليه تقييد الحريات وإنزال عقوبات جنائية، ولذلك يجب أن يتم بالأداة القانونية التي حددها المشرع بدقة.
وبما أن رئيس هيئة الدواء لم يمنحه القانون سلطة تعديل تلك الجداول الجنائية، فإن قراراته في هذا الصدد تعد مهدراً لمبدأ الفصل بين السلطات، وتفتقر إلى المشروعية الدستورية، مما استوجب على المحكمة التدخل لإعلاء كلمة الدستور وحماية حقوق المواطنين من أي تغول إداري غير مدروس.
مصير القضايا الجنائية المتداولة
أثار الحكم تساؤلات قانونية واسعة حول مصير القضايا الجنائية التي ضُبطت في ظل العمل بالقرارات الملغاة، وهنا اختتمت المحكمة حكمها بتوضيح حاسم؛ حيث أكدت أن إبطال أداة الإلغاء (قرارات هيئة الدواء) يعني استعادة الجداول الملحقة بالقانون رقم 182 لسنة 1960 وتعديلاتها الصحيحة السابقة لقوة نفاذها.
وأشارت المحكمة إلى أن هذه الجداول تظل سارية المفعول ويُعمل بها في شأن الدعاوى الجنائية عن الوقائع التي ضبطت خلال فترة العمل بالقرارات المقضي بعدم دستوريتها، وذلك لضمان عدم وجود فراغ قانوني في ملاحقة تجارة المخدرات، مع منح الدوائر الجنائية بمحكمة النقض ومحاكم الجنايات والنيابة العامة سلطة إعمال مقتضى هذا الحكم وفقاً لمفهوم المادة (195) من الدستور، بما يضمن صون الحقوق وإرساء قواعد العدالة.
استعادة المسار القانوني الصحيح
شدد حكم المحكمة الدستورية العليا على ضرورة استمرار العمل بالجداول الأصلية وتعديلاتها القانونية الصحيحة، ما لم يتم تعديلها مستقبلاً بواسطة "أداة قانونية صحيحة"، وهي في هذه الحالة قرار يصدر عن وزير الصحة والسكان وفقاً للتفويض التشريعي القائم.
ويمثل هذا الحكم رسالة واضحة لكافة الهيئات المستقلة بضرورة الالتزام بحدود اختصاصاتها وعدم التوسع في تفسير القوانين بما يمس الحقوق والحريات أو يخل بالتوازن بين السلطات.
ومن المتوقع أن يؤدي هذا الحكم إلى مراجعة شاملة لكافة القرارات التنظيمية الصادرة عن الهيئات الخدمية للتأكد من مواءمتها للدستور، وضمان أن تظل المنظومة العقابية في مصر محكومة بنصوص قانونية واضحة لا تشوبها شائبة البطلان أو عدم الاختصاص.