ads
الخميس 04 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

وداعاً روبرت دوفال: رحيل مستشار عائلة "كورليوني" وأسطورة هوليوود عن عمر ناهز 95 عاماً

روبرت دوفال
روبرت دوفال

فقدت السينما العالمية والمجتمع الفني في هوليوود، أمس، واحداً من أبرز أعمدتها التاريخية، برحيل الممثل القدير روبرت دوفال عن عمر ناهز 95 عاماً، بعد مسيرة فنية استثنائية امتدت لأكثر من ستة عقود من الزمان. 

وقد لفظ دوفال أنفاسه الأخيرة بسلام في منزله الهادئ بمدينة ميدلبيرغ التابعة لولاية فرجينيا الأمريكية، مخلفاً وراءه إرثاً سينمائياً لا يمكن تعويضه، وتاريخاً طويلاً من الشخصيات المعقدة والقوية التي جسدها ببراعة منقطعة النظير.

 ويعد دوفال من فئة الممثلين "الحرباء" الذين استطاعوا الذوبان في أدوارهم لدرجة جعلت الجمهور ينسى شخصيته الحقيقية أمام الكاميرا، وهو ما جعله يحظى باحترام عالمي ليس فقط من الجمهور، بل من زملائه في المهنة الذين رأوا فيه مرجعاً فنياً حياً وأستاذاً في حرفة الأداء الحركي والتعبيري.

مستشار عائلة كورليوني والبصمة الخالدة

لا يمكن الحديث عن روبرت دوفال دون استحضار دوره الأيقوني "توم هيجن"، مستشار عائلة "كورليوني" والمحامي المخلص في ملحمة "العرّاب" (The Godfather) للمخرج العبقري فرانسيس فورد كوبولا.

 هذا الدور الذي قدمه دوفال في الجزء الأول عام 1972، ثم أعاد تجسيده في الجزء الثاني عام 1974، كان حجر الزاوية في شهرته العالمية، حيث استطاع أن يقدم شخصية الرجل الهادئ، العقلاني، والصلب في آن واحد وسط صراعات المافيا العنيفة. وقد نال دوفال عن هذا الدور أول ترشيح له لجائزة الأوسكار من أصل سبعة ترشيحات نالها طوال مسيرته، وهي المسيرة التي توجت بالفوز بالجائزة المرموقة، مؤكداً أنه رقم صعب في معادلة النجاح الهوليودي، وقدرة فائقة على إضفاء هيبة خاصة على كل مشهد يظهر فيه.

بدايات شاقة وصداقات صنعت التاريخ

ولم يكن طريق روبرت دوفال نحو النجومية مفروشاً بالورود، بل كان مزيجاً من الانضباط العسكري والشغف الفني الخالص. فبعد تخرجه من كلية "Principia" في ولاية إلينوي، خدم دوفال في صفوف الجيش الأمريكي خلال الحرب الكورية، وهي التجربة التي صقلت شخصيته ومنحته ملامح "الرجل القوي" التي اشتهر بها لاحقاً. 

وعقب انتهاء خدمته، انتقل إلى نيويورك ليدرس التمثيل على يد المدرب الشهير "سانفورد مايسنر"، وهناك تقاسم شقة متواضعة مع زميله الطموح آنذاك داستن هوفمان، وكان يتردد عليهما صديقهما جين هاكمان، ليشكل هذا الثلاثي لاحقاً جيل العمالقة الذين غيروا وجه السينما الأمريكية في السبعينيات. هذه البدايات البسيطة كانت الوقود الذي دفع دوفال للإبداع والتمسك بأدواته الفنية حتى الرمق الأخير.

تنوع الأدوار من "القيامة الآن" إلى الرجل القوي

إلى جانب "العراب"، اشتهر دوفال بدور اللفتنانت كولونيل بيل كيلجور في فيلم "Apocalypse Now"، حيث أطلق جملته الشهيرة التي لا تزال تتردد في تاريخ السينما، مبرهناً على حضوره الطاغي حتى في الأدوار المساعدة.

 لقد كان دوفال يمتلك قدرة فريدة على تجسيد أدوار السلطة، سواء كان جنرالاً عسكرياً، أو قاضياً صارماً، أو حتى راعي بقر في أفلام الويسترن، مما جعله الممثل المفضل لكبار المخرجين الذين يبحثون عن المصداقية والعمق. إن رحيله في هذا العمر المديد يغلق صفحة ذهبية من صفحات هوليوود الكلاسيكية، حيث كان يمثل الجسر الواصل بين مدرسة التمثيل القديمة والواقعية الحديثة التي اعتمدت على الغوص في أعماق النفس البشرية وتقديمها بصدق دون تكلف أو مبالغة.

إرث روبرت دوفال للأجيال القادمة

بوفاة روبرت دوفال، تفقد الساحة الفنية مدرسة متحركة في فن الأداء، ولكن أعماله ستظل باقية لتدرسها الأجيال القادمة من الممثلين. لقد أثبت دوفال أن النجاح لا يتطلب ضجيجاً إعلامياً بقدر ما يتطلب إخلاصاً تاماً للشخصية واحتراماً للمشاهد. 

رحيله في فرجينيا، بعيداً عن صخب أضواء هوليوود، يعكس شخصيته التي فضلت دائماً الهدوء والعمل بجد خلف الكاميرا. إن السبعة عقود التي قضاها في الخدمة الفنية جعلت منه أيقونة لا تُنسى، وسيبقى دوره كمستشار لآل كورليوني أو كقائد في غابات فيتنام، محفوراً في ذاكرة السينما كشواهد على موهبة فذة لم تعرف المستحيل، وطاقة إبداعية ظلت متقدة حتى سن الخامسة والتسعين.

تم نسخ الرابط