"الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ".. معاني القرآن حول قيمة الرجل والمرأة
أكد حسن عبد الحميد أستاذ ورئيس قسم التفسير وعلوم القرآن بكلية الدراسات العليا بالأزهر الشريف أن الآيات التي تناولت أحكام الزواج في القرآن الكريم وتحديدًا في سورة النساء تمثل منهجًا إلهيًا متكاملًا في تنظيم العلاقة بين الرجل والمرأة داخل الأسرة والمجتمع موضحًا أن هذه الآيات لا تقف عند حدود الأحكام الفقهية المجردة بل تكشف عن مقاصد ربانية عميقة تتعلق ببناء الإنسان وصيانة كرامته وتحقيق التوازن داخل الأسرة المسلمة
وأوضح خلال برنامج نورانيات قرآنية المذاع على قناة قناة صدى البلد أن السياق القرآني في سورة النساء يبدأ باستكمال بيان المحرمات من النساء ثم يتدرج في عرض الأحكام المرتبطة بالزواج والعلاقات الأسرية قبل أن ينتقل إلى الحديث عن الإرادة الإلهية تجاه الإنسان وهو انتقال يكشف عن ترابط تشريعي دقيق يربط بين الحكم والمقصد وبين التكليف والرحمة
وأشار إلى أن القرآن الكريم يجيب بوضوح عن سؤال جوهري يشغل ذهن المؤمن وهو ماذا يريد الله منا مستشهدًا بقوله تعالى يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم مؤكدًا أن الإرادة الإلهية تقوم على ثلاثة محاور أساسية هي البيان والهداية والتوبة فالبيان يرفع الجهل والهداية ترسم الطريق والتوبة تفتح باب الرجوع مهما أخطأ الإنسان وهو ما يعكس سعة رحمة الله وعدله
وأضاف أن من أعظم ما يلفت النظر في الخطاب القرآني تأكيده المستمر على التيسير ورفع الحرج مستشهدًا بقوله تعالى يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر وكذلك قوله يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفًا موضحًا أن هذه الآيات تؤكد أن التشريع الإسلامي لم يأت لإثقال كاهل الإنسان بل لتنظيم حياته بما يتناسب مع طبيعته البشرية وقدرته المحدودة وأن كل تكليف في الإسلام تحكمه قاعدة التخفيف ورفع المشقة
وعند تفسير قوله تعالى الرجال قوامون على النساء شدد الدكتور حسن عبد الحميد على ضرورة فهم النص في سياقه الكامل بعيدًا عن القراءات المجتزأة أو الفهم السطحي مؤكدًا أن القوامة لا تعني بحال من الأحوال الانتقاص من قدر المرأة أو التقليل من شأنها وإنما هي تكليف للرجل بالقيام على شؤون المرأة ورعايتها وتحمل مسؤوليات النفقة والسكن والحماية والإدارة الأسرية
وأوضح أن لفظ الرجال ولفظ النساء جاءا بصيغة العموم بما يشمل كل صور العلاقة داخل الأسرة فالرجل قد يكون أبًا أو أخًا أو زوجًا أو ابنًا وكذلك المرأة قد تكون أمًا أو أختًا أو بنتًا أو زوجة ومن ثم فإن القوامة في مفهومها القرآني هي شبكة من المسؤوليات المتبادلة داخل الأسرة وليست سلطة استبدادية أو امتيازًا مطلقًا
وبيّن أن معنى قوّام في اللغة هو كثير القيام على الشيء أي المداوم على رعايته والاهتمام به وهو ما يعكس طبيعة التكليف الملقى على عاتق الرجل فالقوامة تعني تحمل الأعباء المادية والمعنوية للأسرة والقيام بشؤونها بما يحقق الاستقرار والطمأنينة لا الهيمنة أو فرض الرأي بالقوة
وأكد أن هذه الآيات تكشف عن عناية القرآن الفائقة بحقوق المرأة وصونها إذ قرر لها حق النفقة وحق السكن وحق الكرامة وحق المعاملة الحسنة وجعل مسؤولية توفير هذه الحقوق واجبًا شرعيًا على الرجل وهو ما يعكس عدالة التوزيع في الأدوار داخل الأسرة وفق طبيعة كل من الرجل والمرأة وقدراتهما
وأشار إلى أن الخطاب القرآني حين يتحدث عن العلاقة بين الرجل والمرأة فإنه ينطلق من مبدأ التكامل لا الصراع فالرجل والمرأة شريكان في بناء الأسرة والمجتمع وكل منهما يحمل مسؤوليات تتناسب مع تكوينه الفطري والنفسي والاجتماعي ومن ثم فإن القوامة ليست تفضيلًا مطلقًا بقدر ما هي توزيع للأدوار بما يحقق مصلحة الأسرة
وأوضح أن كثيرًا من الإشكالات المعاصرة حول مفهوم القوامة ترجع إلى سوء الفهم أو إسقاط ممارسات خاطئة على النص القرآني بينما النص في ذاته يحمل قيم الرحمة والعدل والتكافل وأن أي ممارسة تقوم على الظلم أو الإهانة لا يمكن أن تُنسب إلى التشريع الإلهي الذي قرر مبدأ المودة والرحمة أساسًا للعلاقة الزوجية
وأكد أن سورة النساء تعد من أكثر السور عناية بتنظيم العلاقات الاجتماعية وحماية الفئات الأضعف داخل المجتمع كالنساء واليتامى والمستضعفين مما يدل على أن المنهج القرآني يقوم على تحقيق العدالة الاجتماعية وحماية الحقوق وليس على ترسيخ الهيمنة أو التمييز
وأضاف أن قراءة الآيات المتعلقة بالقوامة في ضوء المقاصد العامة للشريعة تكشف عن انسجام كامل بين النص وروح العدالة فالقرآن حين يقرر مسؤولية الرجل عن النفقة والرعاية يحمّله عبئًا لا يمنحه امتيازًا مجانيًا وحين يقرر للمرأة حقوقًا مالية ومعنوية فإنه يضمن لها كرامتها واستقلالها داخل الإطار الأسري
وأشار إلى أن فهم الإرادة الإلهية كما عرضتها الآيات يجعل المؤمن يدرك أن التشريع كله قائم على الرحمة والتخفيف وأن أي قراءة تؤدي إلى التضييق أو التعسير إنما تخالف المقصد القرآني العام الذي نص عليه صراحة يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر
واختتم حديثه بالتأكيد على أن العلاقة بين الرجل والمرأة في الإسلام علاقة تكامل وتراحم وأن القوامة مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون التزامًا قانونيًا وأن على الجميع العودة إلى الفهم الصحيح للنصوص بعيدًا عن التوظيف الخاطئ أو التفسير المجتزأ لأن القرآن الكريم جاء ليقيم مجتمعًا متوازنًا تسوده الرحمة والعدل ويصان فيه حق الرجل والمرأة معًا في إطار من الاحترام المتبادل وتحمل المسؤولية المشتركة