ads
الخميس 04 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

تخيل معي أنك تقف أمام خمس قلاع عملاقة، تخبئ بين جدرانها أثمن ما تتملكه أمتنا المصرية: "نصوص قوانينها وأحكام عدالتها". 

الدستور يقف بجوارك، يمنحك مفتاحاً ذهبياً ويخبرك صراحةً أن هذه المعرفة هي حقك وملكك الخالص.. لكنك حين تقترب من البوابات لتدخل، تصطدم بأسوار إلكترونية شاهقة وحراس افتراضيين بعقليات من الماضي يطالبونك بدفع "اشتراكات" أو إبراز هويات وظيفية خاصة للعبور!

في هذا المقال، نصطحبكم في رحلة استكشافية مثيرة تدمج بين قسوة الواقع التقني المصري وعمق الفلسفة القانونية، لنفكك طلاسم المنصات الرقمية الكبرى للتشريع والقضاء في مصر.

 ونغوص معاً لنكشف عن تلك المفارقة العجيبة بين نصوص دستورية تشرّع الأبواب، وواقع رقمي يغلقها بالأقفال.

وفي ذروة ثورة الذكاء الاصطناعي التي تجتاح العالم وتلتهم البيانات، نتوقف لنطرح سؤالاً مصيرياً يفرض نفسه: 

كيف لنا أن ندرك "اليقين القانوني" ونحقق عدالة رقمية حقيقية، إذا كانت نصوصنا محبوسة في جزر منعزلة، ولغات برمجتها تقبع في صمت مطبق وعزلة تامة عن لغة الآلة؟

في رحلة مقالنا اليوم ، نحن لا نكتفي بسرد أوجاع الواقع، بل نضع بين أيديكم "خريطة نجاة"؛ روشتة عملية للعبور نحو منصة مصرية وطنية مفتوحة ومشرقة، تتنفس هواء التكنولوجيا وتتحدث بلغات العصر العالمية (Akoma Ntoso وELI)، لتستلهم حكمة التجارب الدولية وتُعيد للعدالة المصرية نورها الذي يسع الجميع، مستلهمة أفضل الممارسات الدولية.

بداية الرحلة: بين مفارقة الدستور والأسوار الافتراضية:

تخيل معي مشهداً متكرراً في أروقة مكاتب المحاماة، أو في أروقة البحث الأكاديمي أو في أروقة الشركات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي الصاعدة، أو حتى لمواطن بسيط يسعى لمعرفة حقه القانوني؛ يجلس الباحث أمام شاشته، يكتب اسم التشريع أو المبدأ القضائي الذي يبحث عنه، ليصطدم فجأة بشاشة تطلب منه "تسجيل الدخول" أو "دفع قيمة الاشتراك". في هذه اللحظة، تتلاشى وعود العصر الرقمي بحواجب منصات المعرفة المصرية، وتبرز المفارقة المؤلمة مع الدستور المصري لعام 2014، الذي أعلن بوضوح في مادته (68) أن "المعلومات والبيانات والإحصاءات والوثائق الرسمية ملك للشعب"، وأن الإفصاح عنها "حق تكفله الدولة لكل مواطن".

لقد أصبح التحول الرقمي للأنظمة القانونية ضرورة عالمية لضمان سيادة القانون.

 وفي بلد ذي إرث قانوني عريق يمتد للقرن التاسع عشر وينتج كماً هائلاً من البيانات التشريعية والقضائية، كان من المفترض أن تكون المنصات الرقمية جسراً للعبور نحو الشفافية وبنية تحتية لاستخدامات الذكاء الاصطناعي التشريعي والقضائي.

 لكن التحقيق الميداني للمنصات القانونية الرقمية الرئيسية في مصر يكشف عن ترسانة من الحواجز التي تحد من وصول المعنيين والجمهور إلى تلك المعلومات.

القلاع الخمس: تشريح جدران وأسوار واقع المنصات المصرية

في رحلتنا البحثية، توقفنا أمام خمس بوابات رئيسية تشكل العمود الفقري للمعرفة القانونية في مصر. وبدلاً من أن نجدها ساحات مفتوحة، وجدناها قلاعاً محصنة:

قلعة وزارة العدل (الموسوعة القانونية): https://emj-eg.com/login أُطلقت هذه المنصة (emj-eg.com) لتكون أكبر قاعدة بيانات رسمية. لكن بمجرد محاولة الدخول، تكتشف أن أبوابها مؤصدة حصرياً أمام الجميع باستثناء أعضاء الهيئات القضائية. هذا الاستبعاد التام للمعنيين وللجمهور والمحامين والباحثين يمثل قيداً كبيراً على تعميم المعرفة.

أروقة محكمة النقض: على الموقع الرسمي (cc.gov.eg) لأعلى محكمة مدنية وتجارية ، يُسمح لك بالاطلاع على القشور (أخبار المحكمة وهيكلها) ، بينما يقبع النص الكامل للأحكام وقواعد البيانات الشاملة خلف جدار يتطلب "اشتراكاً".https://www.cc.gov.eg

بوابة التشريعات المصرية (ELP): هي المنصة الأكثر شمولاً (elpai.idsc.gov.eg) التابعة لمركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء . إلا أنها تعمل بنظام "الاشتراك" ، فرغم أنها تجعل المعلومات متاحة نظرياً، إلا أن حواجز التكلفة تعزل المستخدمين الأفراد والمؤسسات الصغيرة. https://elpai.idsc.gov.eg/Identity/Account/Login 

مكتبة مجلس الدولة (قلعة السنهوري): تحمل هذه المكتبة الرقمية (ecs-eg.aast.edu) إرثاً ضخماً وتاريخاً لأعمال تحضيرية صاغها فقهاء كبار. 

ورغم هذه الأهمية، فإنها تقتفي أثر وزارة العدل، لتظل متاحة "حصرياً" لأعضاء مجلس الدولة. https://ecs-eg.aast.edu/digital-library/

مجلس النواب (قاعات خاوية رقمياً): كان من المتوقع أن يكون موقع السلطة التشريعية (parliament.gov.eg) زاخراً بالبيانات ، إلا أنه يخلو من قاعدة بيانات تشريعية حقيقية، ويقتصر على الصور والبيانات الصحفية ، في فرصة ضائعة للشفافية والمشاركة المجتمعية. https://www.parliament.gov.eg/home.aspx

الفلسفة الغائبة ووهم اليقين القانوني الضائع :

إذا عدنا إلى جذور الفلسفة القانونية، سنجد الفيلسوف "لون فولر" (Lon Fuller) يضع "العلنية" كأحد أهم أخلاقيات القانون؛ فالقانون السري أو المحجوب ليس قانوناً عادلاً. 

ويؤكد "جوزيف راز" أن سيادة القانون تستوجب أن يكون "قابلاً للمعرفة". إن النموذج السائد في مصر للوصول المقيد، سواء لأعضاء الهيئات القضائية أو عبر اشتراكات مدفوعة، يخلق حواجز كبيرة للممارسين والباحثين والمواطنين.

كيف يمكن للشركات أن تحقق "اليقين القانوني" وتتخذ قرارات استثمارية في ظل عدم وضوح الرؤية؟ وكيف للمحامين الشباب أو منظمات المساعدة القانونية أن يدافعوا عن موكليهم إذا كانت السوابق القضائية حكراً على المشتركين أو القضاة؟ إن هذه الحالة تخلق "فجوة عدالة رقمية" تتناقض مع المعايير الدولية التي تعتبر الوصول إلى المعلومات القانونية أساساً للتنمية الاقتصادية.

 ووفقاً لتحليل البنك الدولي، فإن تقويض الشفافية واليقين القانوني المحدود يؤثر سلباً على قرارات الاستثمار ويزيد من تكاليف المعاملات.

عصر الذكاء الاصطناعي والقطار الذي يفوتنا:

لا تتوقف المأساة عند حدود الإنسان، بل تمتد إلى "الآلة". في الدول الرائدة مثل فنلندا (بمنصتها Finlex) والاتحاد الأوروبي (بمنصة EUR-Lex)، لم يعد القانون مجرد ملف (PDF) مصمت تقرؤه العيون. لقد تحول إلى "بيانات مفتوحة" ومهيكلة تُكتب بلغات دلالية مثل (Akoma Ntoso XML)، وتُعرف بمعرفات ثابتة للتشريعات (ELI) والأحكام (ECLI).

هذه المعايير الدولية تحول النصوص من وثائق جامدة إلى بيانات قابلة للقراءة آلياً (Machine-Readable). عندما تتبنى الدولة واجهات برمجة التطبيقات (APIs)، فإنها تسمح لشركات التكنولوجيا القانونية (LegalTech) بابتكار تطبيقات الذكاء الاصطناعي التي تحلل السوابق، وتتنبأ بالأحكام، وتسهل الوصول للعدالة.

 في المقابل، وبسبب قيود البنية التحتية والمؤسسية في مصر وانغلاق المنصات ، يقف الذكاء الاصطناعي "أعمى" أمام النصوص القانونية، مما يحرم النظام القضائي المصري من اللحاق بركب المستقبل.

كنزٌ في قبوٍ مظلم وخسارة مليارية بسبب عقول مسؤولين أغلقت أبواب المستقبل :

يقف حراس "القلاع الخمس" المغلقة في مصر لحراسة نصوص قانونية خلف بوابات الاشتراكات، تترجم عقليات تبحث عن مكاسب مادية سريعة وضيقة الأفق. 

لكنهم، في الحقيقة، يغلقون أقبية على كنز وطني يفقد قيمته في الظلام؛ ففي عصر الانفتاح التقني، البيانات المحبوسة هي ثروة مقتولة.

على الجانب الآخر من العالم، وتحديداً في فنلندا، لم تنظر الحكومة إلى منصتها (Finlex) كـ "حصالة" لجمع الرسوم، بل كمشروع استثماري مفتوح. 

لقد نثرت بياناتها التشريعية بصيغ (XML) المهيكلة، وشرّعت نوافذها البرمجية (APIs) لتتنفس في هواء الابتكار الطلق.

وماذا كانت النتيجة؟

 لم يعد المحامي هناك سجين البحث اليدوي المضني. لقد التقطت الشركات الناشئة هذه "البيانات الخام" لتصنع منها واقعاً اقتصادياً ملموساً أطلقوا عليه قطاع التكنولوجيا القانونية (LegalTech).

من رحم هذا الانفتاح، ولدت خوارزميات "التحليلات التنبؤية" (Predictive Analytics) التي تقرأ السوابق لتهمس في أذن القاضي والمحامي باحتمالات نجاح الدعاوى ، وانطلقت برمجيات "أتمتة الامتثال" (Compliance Automation) كحراس يقظين يربطون تشريعات الدولة المتغيرة بأنظمة الشركات لحظة بلحظة لدرء أي خلل قانوني وتحديثه فورياً.

إننا لا نتحدث هنا عن رفاهية تقنية، بل عن أنهار من الثروة المهدرة؛ فالمفوضية الأوروبية تقدر أن إعادة استخدام "معلومات القطاع العام" (PSI)، بما فيها البيانات القانونية، تضخ عائدات اقتصادية سنوية في شرايين الاقتصاد تتجاوز مليارات اليوروهات، ناهيك عن دورها السحري في خفض تكاليف البحث وزيادة كفاءة الخدمات.

 وقد وثقت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) كيف جعل هذا النموذج الفنلندي المنفتح الخدمات القانونية والابتكار الرقمي في متناول المواطن البسيط والشركة الصغيرة بتكلفة معقولة.

الدرس الجوهري هنا قاسٍ ومباشر: قيمة أي منصة قانونية لا تُقاس بقدرتها على استعراض الكلمات على شاشة صماء، بل في تحررها كـ "بيانات خام" قابلة لإعادة الاستخدام وإعادة التدوير والابتكار. 

إنه التجسيد الحي لمبدأ "الاستخدام الثانوي للمعلومات"، الذي أدركه الاتحاد الأوروبي وتبناه في توجيهه (2019/1024) ليخلق قيمة مجتمعية واقتصادية لا تُقدر بثمن.

فهل نظل نجمع "الفُتات" من اشتراكات الدخول خلف أسوارنا المغلقة، بينما العالم يصنع المليارات من اقتصاد البيانات المفتوحة؟

روشتة الإنقاذ: فتح الأبواب نحو العدالة المفتوحة :

إن معالجة هذه التحديات لا يتطلب مجرد ترقيع تقني، بل يحتاج إلى نهج شامل يشمل الإصلاح التشريعي والتحديث التقني. ولتجاوز هذه الأسوار، نضع بين يدي صُناع القرار خارطة طريق مستلهمة من الدراسة التحليلية للمشهد المصري:

الإصلاح التشريعي الجذري: سن تشريع شامل وقوي يضمن "الشفافية والحق في المعلومات"، وإلزام كافة الجهات بالوصول العام والمجاني للتشريعات وقرارات المحاكم.

تبني لغات التصميم العالمية: تطوير المنصات تقنياً من خلال تنفيذ مبادئ التصميم المتمحور حول المستخدم، وتمكين الوصول عبر واجهات برمجة التطبيقات (APIs) للباحثين والمطورين. 

ويجب التخلص من مركزية الـ PDF وتبني معايير الويب الدلالي (XML) لتكون المنصات جاهزة لتعلم الآلة والذكاء الاصطناعي.

التكامل بدلاً من الجزر المنعزلة: تطوير استراتيجية وطنية لتوحيد تصميم المنصات وإنشاء أطر "تشغيل بيني" (Interoperability) بين مختلف الهيئات.

كسر العزلة المؤسسية: يجب بناء قدرات الموظفين، والأهم من ذلك، تغيير ثقافة المؤسسات التي تقاوم الشفافية وتخشى من إتاحة المعلومات لتشكل في النهاية بيئة مواتية للممارسات الفاسدة بالمخالفة للقانون.

خاتمة: القانون كـ "ضوء" وليس "سراً"

في نهاية هذه الرحلة، يتضح أن المنصات القانونية الرقمية في مصر، ورغم كونها خطوة نحو التحديث، إلا أنها تتخلف عن تلبية التوجيهات الدستورية والمعايير الدولية للإتاحة. إن التحول الرقمي ليس مجرد شاشات مضيئة أو خوادم قوية؛ بل هو سؤال جوهري في الحكم الديمقراطي وسيادة القانون وحقوق المواطنين وبيئة الاستثمار والتطور التكنولوجي.

ولكي تصبح مصر جزءاً من المستقبل الذي تقوده التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، يجب أن تعود للقاعدة الذهبية: "المعلومات... ملك للشعب". 

حين تُشرع الأبواب، وتتحرر البيانات من قيود الاشتراكات وجدران السرية، سيتحقق "اليقين القانوني"، وتُضاء عقول البشر وخوارزميات الآلة بنور العدالة المنشود.

"فيا أبناء «أم الدنيا» وقضاة عدلها ، ويا حراس العدالة في عالمنا العربي.. أما آن لنا أن نحطم أقفال العزلة، ونُشرع أبواب قلاعنا لشمس المعرفة؟ فقد انطلق قطار المستقبل يطوي مسافات الزمن، ولن ينتظر أمَّةً أسقطت مفاتيح الغد، واختارت البقاء في أقبية الماضي!".

فمفاتيح المستقبل لا تُصنع في قلاعٍ مغلقة، وقطار المعرفة لا ينتظر الواقفين على أرصفة الأمس، فدعونا نُشرع الأبواب.. لندرك رحلة النور."

وإلى أن ألقاكم بمقال تالي ، اختم بقوله تعالي :

" إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ " صدق الله العظيم

تم نسخ الرابط