ads
الجمعة 05 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

مفتي الجمهورية: زهد النبي طريق إلى محبة الله والناس والطمأنينة

خلف الحدث

أكد فضيلة الدكتور نظير عياد ، مفتي الجمهورية، أن النبي صلى الله عليه وسلم، رغم ما خُصّ به من مكانة عظيمة ومنزلة رفيعة عند الله تعالى، ولو شاء أن تكون الدنيا بين يديه لاختارها، إلا أنه آثر طريق الزهد، ذلك الطريق الذي يقود إلى محبة الله ومحبة الناس، ويمنح القلب طمأنينة لا تُشترى بمال ولا تُنال بكثرة متاع.

وجاءت تصريحات مفتي الجمهورية خلال لقائه مع الإعلامي في برنامج "اسأل المفتي" المذاع على قناة ، حيث تناول الحديث جانبًا مهمًا من السيرة النبوية يتعلق بالزهد النبوي، وكيف كان نهجًا عمليًا عاشه النبي صلى الله عليه وسلم في بيته ومع أهله، وليس مجرد توجيه أو موعظة.

الزهد طريق المحبة الإلهية والبشرية

استشهد الدكتور نظير عياد بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ازهد فيما في أيدي الناس يحببك الناس، وازهد في الدنيا يحببك الله»، مؤكدًا أن هذا الحديث يلخص فلسفة الزهد في الإسلام، فليس الزهد انقطاعًا عن الدنيا أو تركًا للأسباب، وإنما هو تحرر القلب من التعلق بما في أيدي الآخرين، ومن الانشغال المفرط بزينة الحياة الدنيا.

وأوضح أن الإنسان حين يزهد فيما في أيدي الناس، يبتعد عن الحسد والطمع والتطلع لما عند الغير، فيحبه الناس لسلامة صدره وعفته وكرامته، وحين يزهد في الدنيا فلا يجعلها أكبر همه، يحبه الله لأنه قدّم ما عند الله على ما عند الناس، وارتقى بقلبه إلى مراتب الإخلاص والتجرد.

زهد النبي.. تطبيق عملي لا شعار نظري

بيّن مفتي الجمهورية أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكتفِ بالدعوة إلى الزهد قولًا، بل طبّقه عمليًا في بيته، بحجراته المتعددة وجوانبه المختلفة، حيث تجلت عظمة المكان من عظمة الساكن. فالمسكن رغم بساطته وقلة مظاهره الدنيوية، كان موضع أنظار القلوب، ومأوى للأفئدة، ومحلًا للإطعام والاستضافة.

وأشار إلى أن بيت النبي لم يكن بيتًا فخمًا أو مزدانًا بزينة الدنيا، لكنه كان بيتًا عامرًا بالإيمان والذكر والرحمة، وكان الناس يقصدونه لا لما فيه من متاع، بل لما فيه من نور وبركة، مستمدين ذلك من وجود النبي صلى الله عليه وسلم فيه.

وأكد أن الزهد النبوي لم يكن حرمانًا للنفس، وإنما كان اختيارًا واعيًا يضع الدنيا في موضعها الصحيح، فلا تتصدر القلب، ولا تطغى على الرسالة، ولا تشغل عن الغاية الكبرى.

بيت تهفو إليه الأرواح

أوضح الدكتور نظير عياد أن بيت النبوة كان تهفو إليه الأرواح وتشتاق إليه النفوس، وأن حجراته كانت تُنسب إلى أمهات المؤمنين رضي الله عنهن، ما يعكس خصوصية هذا البيت المبارك ومكانته الفريدة في التاريخ الإسلامي.

فهذا البيت لم يكن مجرد سكن خاص، بل كان مدرسة تربوية، ومنبرًا علميًا، ومأوى للفقراء والمساكين، ومكانًا تُحل فيه المشكلات، وتُبنى فيه النفوس، وتُرسّخ فيه قيم الرحمة والعدل.

وأضاف أن النظر إلى بيت النبي ينبغي أن ينطلق من عدة زوايا، في مقدمتها رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لبيته وأهله، وطريقته في التعامل مع نسائه، بما يعكس أسمى معاني الرحمة، والعدل، وحسن المعاشرة، وهو ما يمثل نموذجًا عمليًا للأسرة المسلمة في كل زمان.

الزهد والطمأنينة.. علاقة وثيقة

لفت المفتي إلى أن الزهد الحقيقي يورث الطمأنينة، لأن القلب إذا تحرر من التعلق المفرط بالدنيا عاش في راحة داخلية، لا تزعزعها تقلبات الظروف. فالزاهد ليس من لا يملك شيئًا، بل من لا يملكه شيء.

وبيّن أن كثيرًا من القلق المعاصر سببه سباق محموم نحو المزيد من المال والمظاهر، دون اكتراث بما يخلّفه ذلك من فراغ روحي، بينما يعلّمنا الزهد النبوي أن السعادة تنبع من القناعة، وأن الاستقرار يبدأ من الداخل.

وأكد أن النبي صلى الله عليه وسلم قدّم أرقى صورة للتوازن بين الأخذ بالأسباب والاعتماد على الله، فكان يعمل، ويجتهد، ويخطط، لكنه لم يجعل الدنيا أكبر همه، بل كانت وسيلة لخدمة الرسالة، لا غاية بحد ذاتها.

رسالة للمجتمع المعاصر

اختتم مفتي الجمهورية حديثه بالتأكيد على أن استلهام الزهد النبوي ضرورة في زمن طغت فيه النزعة المادية، مشيرًا إلى أن العودة إلى معاني القناعة، والعفة، والرضا، كفيلة بإصلاح كثير من المشكلات الأسرية والاجتماعية.

فحين يدرك الإنسان أن قيمته ليست فيما يملك، بل فيما يكون عليه من خلق وإيمان، تتحول حياته إلى مساحة من السكينة، ويصبح محبوبًا عند الله وعند الناس، كما وعد النبي صلى الله عليه وسلم.

وهكذا يظل زهد النبي صلى الله عليه وسلم درسًا خالدًا في كيفية الجمع بين علو المنزلة وبساطة العيش، وبين عظمة الرسالة والتواضع في المسكن، ليؤكد أن الطريق إلى محبة الله والناس يبدأ من قلب متحرر من أسر الدنيا، عامر بالإيمان، مطمئن بذكر الله.

تم نسخ الرابط