ads
الخميس 04 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

علي جمعة: المشاركة والصحبة بديل فعال للرقابة الوالدية بعد سن الثامنة عشرة

خلف الحدث

أكد الدكتور علي جمعة، عضو هيئة كبار العلماء ومفتي الجمهورية السابق، أن مسألة الرقابة الوالدية على الأبناء بعد سن الثامنة عشرة تمثل إحدى الإشكاليات التربوية الأكثر تعقيدًا داخل البيوت المصرية في الوقت الحالي. وأوضح جمعة أن التحولات الاجتماعية والتكنولوجية المعاصرة فرضت تغييرًا جذريًا في أساليب التربية التقليدية، حيث أصبح أسلوب "المنع والتفتيش" غير مجدٍ في عصر تتسم فيه الحياة بالانفتاح وسهولة الوصول إلى المعلومات والمحتوى الرقمي المتنوع.

وأشار جمعة، خلال حلقة برنامجه "نور الدين والشباب" الذي يُعرض في شهر رمضان على قناة سي بي سي، إلى أن البديل الواقعي يتمثل في اعتماد سياسة "المشاركة والصحبة" كأسلوب تربوي أكثر فعالية وتأثيرًا. وقال إن هذا المنهج يركز على بناء الثقة بين الآباء والأبناء، وتحويل العلاقة من علاقة رقيب ومراقب إلى علاقة صديق ومرشد، بحيث يشعر الشاب بالقدرة على اتخاذ القرارات السليمة دون الاعتماد على فرض الأوامر المباشرة.

الفردانية وصدام الأجيال

وأوضح جمعة أن المجتمع المعاصر يتجه نحو فلسفة "الفردانية"، التي تعلي من شأن "الأنا" والاستقلال الشخصي على حساب الروابط الأسرية والمجتمعية. هذا التحول يعزز فكرة أن بلوغ سن الثامنة عشرة يعني الاستقلال التام في اتخاذ القرارات، وهو ما يتصادم مع مخاوف الآباء الذين يشعرون بالقلق المستمر من المخاطر المحتملة، سواء المرتبطة بالمحتوى الرقمي أو الانحرافات السلوكية أو الجرائم المستحدثة.

وأكد جمعة أن هذا التناقض بين رغبة الأبناء في الاستقلال وخوف الآباء من المخاطر يولد حالة من الاحتقان والصدام داخل الأسرة. وأضاف أن الإصرار على التفتيش والمراقبة الصارمة يدفع الأبناء إلى التحايل وإخفاء سلوكياتهم بدلًا من تصحيحها، مما يضعف الثقة المتبادلة ويحول العلاقة من علاقة احتواء وتوجيه إلى علاقة شك وصراع.

المنع في عصر الهواتف الذكية

وردًا على مداخلة أحد الشباب الذي اشتكى من قيام والده بتفتيش هاتفه ومراقبة ما يشاهده رغم تجاوزه سن الطفولة، أكد جمعة أن سياسة المنع لم تعد مجدية لا منطقياً ولا واقعياً. وأوضح أن الشاب إذا مُنع من مشاهدة محتوى ما على هاتفه، فسيجد وسائل بديلة للوصول إليه عبر الأصدقاء أو المنصات الرقمية، مؤكدًا أن التربية الحديثة لم تعد قائمة على فرض الأوامر، بل على بناء الضمير الداخلي لدى الأبناء ليتمكنوا من اتخاذ القرار الصحيح حتى في غياب الرقابة.

ودعا جمعة إلى اعتماد أسلوب "المشاهدة المشتركة"، حيث يجلس الأب أو الأم مع الابن لمتابعة المحتوى الفني أو الترفيهي، ومن ثم فتح باب النقاش حول ما تم عرضه، سواء من حيث السلوكيات أو القيم أو الرسائل الضمنية. وأوضح أن هذه الطريقة تمكّن الآباء من تمرير القيم التربوية بصورة غير مباشرة، مثل نقد الأنانية أو تعزيز الإيثار، ومناقشة التصرفات الخاطئة في سياق درامي، مما ينمي وعي الابن الذاتي ويجعله قادرًا على التمييز بين الصواب والخطأ بدون قسر أو فرض مباشر.

تغيير أدوات التربية

وأشار جمعة إلى أن التعامل مع أدوات العصر الحديث يتطلب تغيير أساليب التربية نفسها. فالرقابة الصارمة والتفتيش المستمر قد يؤديان إلى شعور الأبناء بالضيق والعناد، ويعززان الرغبة في التمرد. وأكد أن اعتماد منهجية المشاركة والصحبة تساعد في بناء جسور الثقة بين الأسرة وأبنائها، وتحقق الحماية المطلوبة بطريقة أكثر نضجًا واتزانًا.

وقال جمعة إن الأسرة التي تنجح في تحويل العلاقة من "رقيب ومراقب" إلى "صاحب وصديق" تكون أكثر قدرة على حماية أبنائها في زمن تتسارع فيه التحديات وتتنوع فيه المؤثرات الرقمية والاجتماعية، مما يتيح للأبناء تعلم كيفية اتخاذ القرارات الصحيحة في بيئة داعمة وآمنة.

وأضاف أن هذه الطريقة تساعد على تعزيز الحوار المفتوح داخل الأسرة، وتشجيع الأبناء على التعبير عن آرائهم ومخاوفهم، بالإضافة إلى تعزيز الوعي الذاتي لديهم، وتزويدهم بالأدوات اللازمة لمواجهة التحديات المعاصرة بشكل مسؤول ومتوازن.

واختتم جمعة بالتأكيد على أن التربية الحديثة لا يمكن أن تقوم على المنع والتحكم فقط، بل تحتاج إلى شراكة حقيقية بين الآباء والأبناء، تقوم على الحوار والتوجيه والمثال الإيجابي، بما يضمن حماية القيم الأخلاقية والروحية، ويرسخ الثقة المتبادلة، ويخلق جيلًا قادرًا على مواجهة تحديات الحياة بشكل واعٍ ومسؤول.

تم نسخ الرابط