ads
الخميس 04 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

ليس الستر مجرّد خُلُق اجتماعيّ يُجَمِّلُ العلاقات بين الناس، ولا هو سياسةُ مداراةٍ تحفظ ماء الوجوه فحسب، بل هو – في جوهره – معنى إيمانيّ عميق، يتصل باسمٍ من أسماء الله الحسنى، ويتخلّق به من ذاق طعم الإحسان. فالعبد إذا ستر أخاه إنما يتخلّق بصفةٍ يحبها الله، ويتقرّب إلى ربٍّ ستّارٍ يحبّ الستر.
يقول تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (النور: 19).
فالآية لا تجرّم الفاحشة وحدها، بل تجرّم إشاعتها، والتلذّذ بتداولها، وبناء المجالس على حكاياتها. وكأن القرآن يريد للمجتمع المؤمن أن يكون فضاءً نظيفًا، لا تُتداول فيه العورات، ولا تُبنى فيه الشهرة على هدم الأستار.
وجاء في الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
«إن الله يُدني المؤمن فيضع عليه كنفه ويستره، فيقول: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ فيقول: نعم أي رب، حتى إذا قرّره بذنوبه ورأى في نفسه أنه هلك، قال: سترتُها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم» (متفق عليه).
يا له من مشهد! عبدٌ يظن أنه انتهى، وأن صحيفته أثقلته، فإذا بالستر الذي أحاطه في الدنيا يتحوّل في الآخرة إلى باب مغفرة. هنا نفهم أن الستر ليس تأجيلًا للعقوبة، بل تمهيدٌ للتوبة.
ولهذا قال صلى الله عليه وسلم:
«من ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة» (رواه مسلم).
جزاءٌ من جنس العمل؛ لأن من أحبّ لعباد الله السلامة، أحبّ الله له السلامة.
ولم يكن الستر في الهدي النبويّ دعوةً نظرية، بل ممارسةً عملية. 

ففي قصة ماعز بن مالك رضي الله عنه، حين جاء معترفًا بجريمة الزنا، أعرض عنه النبي صلى الله عليه وسلم مرارًا، يسأله: «أبِكَ جُنُون؟» ويقول له: «لعلّك قبّلت؟ لعلّك غمزت؟» (رواه البخاري ومسلم). كان يفتح له أبواب الرجوع، ويلتمس له مخارج التوبة في سترٍ بينه وبين ربّه. فلما أصرّ على الإقرار الرابع، وأقيم عليه الحدّ، لم تنتهِ القصة عند التنفيذ، بل سأل النبي عمّن أرسله إليه مرارًا، فلما علم أنه هزّاع قال له معاتبًا: «هلا سترته بثوبك؟» (رواه أبو داود).
كأنما كان الستر أولى، وكأن إغلاق باب الفضيحة أقرب إلى فتح باب الرحمة.
إن فضح المذنب لا يصلحه دائمًا، بل قد يكسِر في داخله آخر خيطٍ من حياء. فالعار العلنيّ قد يدفع بعض النفوس إلى الاستسلام، فإذا سقط الحاجز النفسي الذي كان يمنعها من المجاهرة، لم يبقَ ما تخشاه. أما الستر، فإنه يُبقي في القلب بقيةَ حياء، ويمنح العاصي فرصةً ليراجع نفسه بعيدًا عن ضجيج الألسنة.
ومن هنا جاء التحذير النبويّ الشديد:
«يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه، لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم؛ فإنه من تتبّع عورة أخيه تتبّع الله عورته، ومن تتبّع الله عورته يفضحه ولو في جوف بيته» (رواه أبو داود).
تتبّع العورات ليس فضولًا بريئًا، بل علامة خللٍ في الإيمان، إذ كيف ينشغل القلب بفضائح الناس وهو أحوج ما يكون إلى إصلاح نفسه؟
غير أن المفارقة المؤلمة أن بعض الناس لا ينتظرون من يفضحهم؛ بل يتولّون بأنفسهم هتك الستر الذي أسبله الله عليهم. قال صلى الله عليه وسلم:
«كل أمتي معافى إلا المجاهرين، وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملاً، ثم يصبح وقد ستره الله عليه، فيقول: يا فلان، عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه ويصبح يكشف ستر الله عنه» (متفق عليه).
المجاهرة ليست شجاعة، بل استخفاف بالنعمة؛ نعمة الستر التي لو استُثمرت في توبة صادقة لكانت بداية عهدٍ جديد.
ومع ذلك، فالستر في الشريعة ليس تعطيلًا للعدل، ولا حمايةً لفسادٍ يتعدّى ضرره إلى الناس. فحيث تتعلق الجريمة بحقوق العباد، أو يترتب عليها أذى عام، أو يُخشى من استمرارها، فهنا يكون الإصلاح والنصح والإبلاغ بالطرق الشرعية هو الواجب، لأن المقصود حماية المجتمع لا التشهير بالأفراد. الستر المقصود هو ما كان في دائرة المعصية الخاصة التي لم تُجاهر ولم تُهدّد غير صاحبها.
إن المجتمع الذي يتخلّق بالستر مجتمعٌ يشيع فيه الأمان النفسي؛ لا يعيش أفراده تحت سيف الفضيحة، ولا يتربّص بعضهم ببعض. مجتمعٌ يعلم أفراده أن لهم ربًّا ستّارًا، وأن من أحبّ أن يُستَر فليستُر، ومن أحبّ أن يُغفَر له فليفتح للناس أبواب الرجوع.
كلّنا أصحاب ذنوب، وكلّنا أحوج ما نكون إلى لحظةٍ يقف فيها الواحد منا بين يدي ربّه فيسمع: «سترتُها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم».
فطوبى لمن كان ستره للناس طريقًا إلى ستر الله له، ومن جعل حياءه من الله أوسع من فضوله في الناس، فحفظ لغيره عرضه، فحفظ الله له عرضه في الدنيا والآخرة.

تم نسخ الرابط