ads
الخميس 04 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

في التحولات الكبرى التي يشهدها الإقليم، لا تتحرك القرارات السياسية بمعزل عن السياق العام الذي تتراكم فيه التجارب وتتشكل فيه القناعات. وعندما يبدأ المجتمع الدولي في مراجعة موقفه من تنظيمات بعينها، فإن هذه المراجعة نادراً ما تبقى محصورة في دولة واحدة، بل غالباً ما تمتد إلى الشبكة الأوسع التي ينتمي إليها التنظيم نفسه. ولهذا فإن التطورات الأخيرة المتعلقة بإخوان السودان أعادت فتح سؤال أوسع يتعلق بمستقبل فروع التنظيم في دول أخرى، وفي مقدمتها اليمن.

فحزب التجمع اليمني للإصلاح، الذي يمثل الامتداد السياسي لتنظيم الإخوان المسلمين في اليمن، لم يعد يُنظر إليه في كثير من التحليلات السياسية باعتباره مجرد حزب داخل الحياة السياسية اليمنية، بل كجزء من بنية أكثر تعقيداً يتداخل فيها التنظيم الأيديولوجي مع شبكات النفوذ العسكرية والقبلية التي تشكلت خلال سنوات الحرب.

منذ تأسيسه عام 1990، قدم الإصلاح نفسه باعتباره حزباً سياسياً يجمع بين التيار الإسلامي وشبكة واسعة من القوى القبلية والعسكرية والدينية. وقد لعب دوراً مؤثراً في الحياة السياسية اليمنية خلال مرحلة التعددية الحزبية، لكنه في الوقت نفسه حافظ على علاقات وثيقة مع شخصيات عسكرية نافذة داخل الجيش اليمني ومع تشكيلات اجتماعية وقبلية مسلحة، وهو ما جعل حضوره في المشهد اليمني يتجاوز دائماً حدود الحزب السياسي التقليدي.

غير أن التحول الحقيقي في طبيعة دور الحزب جاء مع اندلاع الحرب اليمنية بعد عام 2014. ففي تلك المرحلة لم يعد الإصلاح مجرد فاعل سياسي داخل مؤسسات الدولة أو ضمن التحالفات الحزبية، بل أصبح جزءاً من البنية العسكرية التي تشكلت في مواجهة الحوثيين. وقد ظهرت في عدة جبهات قتالية وحدات وقوات محلية ارتبطت قيادتها أو بنيتها الاجتماعية بالتيار الإصلاحي أو بالشخصيات المقربة منه.

وفي محافظات مثل مأرب وتعز وشبوة تشكلت شبكات عسكرية وقبلية ارتبطت سياسياً أو تنظيمياً بالحزب، الأمر الذي جعل الإصلاح لاعباً رئيسياً ليس فقط في المعادلة السياسية، بل أيضاً في التوازنات العسكرية للحرب اليمنية. وهنا بدأ يتشكل السؤال الذي أصبح اليوم محور النقاش في العديد من العواصم: متى يتحول الحزب السياسي إلى شبكة نفوذ مسلحة تتجاوز طبيعة العمل الحزبي التقليدي؟

هذا التشابك بين التنظيم السياسي والعمل المسلح هو الذي جعل عدداً من الدول العربية ينظر إلى الإصلاح باعتباره امتداداً مباشراً لتنظيم الإخوان المسلمين، وهو التنظيم الذي تعتبره بعض الدول مشروعاً سياسياً عابراً للحدود يسعى إلى اختراق الدولة الوطنية وإعادة تشكيل السلطة من داخلها. وقد أدت تجارب عدة في المنطقة إلى تعزيز هذه القناعة، خصوصاً عندما تحولت بعض فروع التنظيم إلى لاعب مباشر في الصراعات المسلحة أو في إعادة تشكيل موازين القوة داخل الدول.

وفي الحالة اليمنية تحديداً، لم يعد النقاش يدور فقط حول المرجعية الفكرية للحزب، بل حول طبيعة الدور الذي يلعبه داخل الحرب. فالتقارير السياسية والإعلامية التي صدرت خلال السنوات الماضية تحدثت مراراً عن وجود تشكيلات مسلحة مرتبطة بالتيار الإصلاحي في بعض الجبهات، كما أشارت إلى صراعات نفوذ داخل المعسكر المناهض للحوثيين، خصوصاً في مدينة تعز التي شهدت تنافساً بين عدة فصائل مسلحة ذات مرجعيات سياسية مختلفة.

هذا الواقع جعل الإصلاح يتحول تدريجياً من حزب سياسي إلى لاعب مركزي داخل معادلة الحرب، وهو تحول يطرح أسئلة عميقة حول مستقبل دوره في أي تسوية سياسية محتملة في اليمن. فالأحزاب التي تدخل إلى المجال العسكري لا تعود دائماً قادرة على العودة بسهولة إلى المجال السياسي، لأن شبكات السلاح والنفوذ التي تتشكل في زمن الحرب غالباً ما تصبح جزءاً من اقتصاد الصراع ومن توازنات القوة المحلية.

ولهذا فإن النقاش المتزايد حول مستقبل فروع الإخوان في المنطقة لا يمكن فصله عن التجربة اليمنية. فإذا كان إخوان السودان قد دخلوا في مسارات صدامية مع الدولة ومع المجتمع السياسي هناك، فإن التجربة اليمنية تقدم نموذجاً آخر لتنظيم سياسي تحوّل تدريجياً إلى جزء من البنية العسكرية للصراع.

والأهم من ذلك أن هذا التحول لا يتعلق باليمن وحده، بل يعكس أزمة أعمق داخل المشروع الإخواني نفسه. فالتنظيم الذي نشأ في الأصل كحركة دعوية وسياسية وجد نفسه في عدة ساحات من المنطقة منخرطاً في صراعات مسلحة أو متحالفاً مع شبكات قوة عسكرية، وهو ما جعل كثيراً من الدول تعيد النظر في طبيعة هذا المشروع وفي آثاره على استقرار الدولة الوطنية.

وفي هذا السياق، لم يعد السؤال المطروح اليوم مجرد سؤال قانوني حول تصنيف تنظيمي هنا أو هناك، بل أصبح سؤالاً سياسياً أوسع يتعلق بطبيعة الدور الذي تلعبه هذه التنظيمات داخل الدول التي تنشط فيها. فهل هي أحزاب سياسية قابلة للاندماج في النظام الديمقراطي للدولة؟ أم أنها شبكات أيديولوجية تتجاوز حدود الدولة وتسعى إلى إعادة تشكيل السلطة عبر أدوات متعددة، من بينها السلاح؟

في اليمن تبدو الإجابة عن هذا السؤال أكثر تعقيداً، لأن الإصلاح ليس تنظيماً هامشياً يمكن عزله بسهولة، بل هو جزء من البنية السياسية والعسكرية التي تشكلت خلال سنوات الحرب. ولهذا فإن أي تحول في الموقف الدولي من التنظيم لن يكون مجرد خطوة قانونية، بل قراراً سياسياً ستكون له انعكاسات واسعة على توازنات القوى داخل اليمن.

لكن الخبرة التاريخية تشير إلى حقيقة واضحة: عندما يتحول الحزب السياسي إلى شبكة نفوذ عسكرية، فإنه يفقد تدريجياً طبيعته الحزبية ويتحول إلى جزء من منظومة الصراع المسلح. وعند تلك اللحظة تبدأ الدول في إعادة تعريفه، لا بوصفه فاعلاً سياسياً عادياً، بل بوصفه عنصراً من عناصر الأزمة التي تحتاج إلى معالجة.

من هنا يمكن فهم لماذا بدأ النقاش الإقليمي والدولي يتجه اليوم إلى النظر في ملف إخوان اليمن ضمن السياق الأوسع لمراجعة دور تنظيم الإخوان المسلمين في المنطقة. فالقضية لم تعد مجرد خلاف فكري أو سياسي، بل مسألة تتعلق بمستقبل الدولة الوطنية في مواجهة تنظيمات عابرة للحدود دخلت في كثير من الحالات إلى المجال العسكري.

وهذا ما يجعل السؤال الذي يُطرح اليوم في العواصم الإقليمية والدولية سؤالاً بالغ الوضوح:
إذا كان المسار قد بدأ بإخوان السودان، فهل يكون إخوان اليمن المحطة التالية في هذه المراجعة؟

تم نسخ الرابط