إنذارات بالإخلاء وتحت وطأة "الظلام الرقمي".. كيف يعيش 90 مليون إيراني بلا إنترنت؟
دخل التصعيد العسكري في إيران منعطفاً خطيراً يوم السبت، 14 مارس 2026، حيث أصدر الجيش الإسرائيلي أوامر إخلاء عاجلة لسكان المنطقة الصناعية في غرب مدينة تبريز، الواقعة بشمال إيران، محذراً من عمليات عسكرية وشيكة خلال الساعات القليلة المقبلة. ونشر الجيش الإسرائيلي عبر منصة "إكس" خريطة توضح الأهداف المحتملة، مطالباً السكان بالمغادرة فوراً حفاظاً على سلامتهم.
إلا أن هذه التحذيرات الرقمية اصطدمت بحائط سد منيع، حيث تغرق البلاد في "ظلام رقمي" شامل منذ أسبوعين، مما يجعل من شبه المستحيل على المدنيين والمعنيين بالتحذير الوصول إلى شبكة الإنترنت وقراءة هذه الأوامر، وهو ما يثير مخاوف حقوقية ودولية من وقوع ضحايا مدنيين بسبب انعدام قنوات الاتصال الفعالة تحت وطأة الحرب المستعرة.
الحياة اليومية تحت دوي الانفجارات
مع دخول انقطاع الإنترنت أسبوعه الثالث، يواجه أكثر من 90 مليون إيراني تحديات غير مسبوقة في تدبير حياتهم اليومية. ففي ظل الحرب الأمريكية الإسرائيلية المتواصلة، أصبح دوي الانفجارات رفيقاً ليلياً ونهارياً للسكان الذين يعيشون في عزلة تامة عن العالم الخارجي وعن بعضهم البعض.
وتطرح هذه العزلة تساؤلات جوهرية حول كيفية حصول المواطنين على المعلومات الأساسية، أو التحذيرات الأمنية، أو حتى التواصل مع الخدمات الطبية والإغاثية. إن غياب الإنترنت في بلد يعتمد بشكل كبير على الرقمنة في معاملاته، أدى إلى شلل في قطاعات حيوية، بينما تستمر العمليات العسكرية في استهداف مواقع استراتيجية، مما يجعل المواطن الإيراني العادي عالقاً بين كماشة النيران وفراغ المعلومات الصادم.
جزيرة خارك.. صراع الروايات بين واشنطن وطهران
تعد جزيرة خارك، المركز الاستراتيجي لتصدير النفط الإيراني، إحدى النقاط المشتعلة في هذا الصراع، حيث يسود تضارب كبير في الأنباء حول حالتها الراهنة. فبينما صرح دونالد ترامب بأن الغارات الجوية الأمريكية التي شنت يوم الجمعة قد دمرت المواقع العسكرية في الجزيرة "بالكامل"، خرجت وكالة أنباء فارس الإيرانية بتقرير ينفي وقوع أضرار في البنية التحتية النفطية. ونقلت الوكالة عن مصادر ميدانية سماع دوي 15 انفجاراً عنيفاً خلال الهجوم، إلا أنها أكدت أن المنشآت النفطية الاستراتيجية لم تتعرض لأي أذى. هذا الصراع في الروايات يعكس حجم الحرب النفسية والإعلامية المرافقة للعمليات العسكرية، حيث يسعى كل طرف لرسم صورة المنتصر في ظل غياب التغطية المستقلة بسبب القيود المفروضة على الاتصالات.
ترامب واللاءات التفاوضية
من جانبه، أبدى دونالد ترامب موقفاً متصلباً تجاه أي محاولات للتهدئة أو التفاوض، مؤكداً عبر منصته "تروث سوشال" أن إيران باتت "مهزومة تماماً" وتسعى لإبرام اتفاق لإنهاء الحرب، لكنه شدد على أنه لن يوافق على أي اتفاق لا يحقق الشروط الأمريكية الكاملة. وهاجم ترامب وسائل الإعلام التي وصفها بـ "الكاذبة"، متهماً إياها بتجاهل ما وصفه بـ "النتائج العظيمة" للجيش الأمريكي.
ولم يتوقف التصعيد الأمريكي عند الضربات الجوية، بل امتد ليعلن ترامب أن البحرية الأمريكية ستبدأ "قريباً جداً" مرافقة ناقلات النفط عبر مضيق هرمز، في خطوة تهدف لكسر النفوذ الإيراني على الممر الملاحي الأهم عالمياً، مما ينذر بمواجهة مباشرة قد تشعل فتيل حرب إقليمية أوسع نطاقاً.
الموقف الإيراني.. استمرار الهجمات ورفض الحوار
في المقابل، لم تظهر طهران أي مؤشرات للتراجع، حيث شنت موجة جديدة من الهجمات بالطائرات المسيّرة والصواريخ استهدفت مواقع في إسرائيل وعدداً من دول الخليج، في رد مباشر على الضربات الأمريكية.
وأكد وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، في تصريحات إعلامية أن إجراء أي محادثات مع واشنطن مستبعد تماماً في الوقت الراهن، واصفاً المفاوضات السابقة بأنها كانت "تجربة مريرة جداً". وشدد عراقجي على أن الهجمات الصاروخية الإيرانية ستستمر طالما كان ذلك ضرورياً للدفاع عن سيادة البلاد، مشيراً إلى أن جدول أعمال طهران لا يتضمن أي تواصل مع الجانب الأمريكي، مما يعزز فرضية استمرار العمليات القتالية واتساع رقعتها لتشمل جبهات متعددة في منطقة الشرق الأوسط المشتعلة.