فاطمة سرحان وزكريا الحجاوي.. قصة اكتشاف الموهبة التي هزت أرجاء الإذاعة المصرية
غيب الموت في الثالث عشر من مارس لعام 2026، الفنانة والمطربة الشعبية الكبيرة فاطمة سرحان، التي رحلت عن عالمنا تاركة وراءها إرثاً فنياً ضخماً جعلها تتربع على عرش الغناء البلدي والإنشاد الديني لعقود طويلة. وُلدت الراحلة في مركز بسيون بمحافظة الغربية عام 1928، ومنذ نعومة أظفارها برزت موهبتها الفذة في غناء القصائد الصوفية والمواويل الشعبية التي تلامس وجدان الريف المصري.
انتقلت فاطمة سرحان لاحقاً إلى العاصمة القاهرة، حيث استقرت في البداية بحي الرويعي بالعتبة قبل أن تنتقل إلى رحاب السيدة زينب، وهو الحي الذي شهد تألقها الأكبر؛ إذ كانت تحرص سنوياً على إقامة سرادق ضخم في مولد سيدنا الحسين، وهو التقليد الذي جعل الجماهير تمنحها لقب "ملكة البلدي" بجدارة واستحقاق، لتصبح رمزاً من رموز الأصالة المصرية في الموالد والاحتفالات الدينية الكبرى.
المسيرة الفنية والاكتشاف على يد رواد الفن الشعبي
بدأت المسيرة المهنية الحقيقية للفنانة فاطمة سرحان في خمسينيات القرن الماضي، حينما اكتشفها الرائد الراحل زكريا الحجاوي، الذي يعد أحد أبرز حراس التراث الشعبي المصري، وقدمها للإذاعة المصرية لتكون صوتاً يعبر عن الهوية الشعبية الأصيلة.
ولم تقتصر موهبتها على الغناء الفردي، بل شاركت في أعمال فنية خالدة مع عمالقة جيلها، حيث قدمت قصة "أيوب وناعسة" الشهيرة بالاشتراك مع خضرة محمد خضر، وشاركت في العديد من الاستعراضات الفنية، أبرزها "رقصة الحجالة" مع الفنانة نجوى فؤاد. كما امتد نشاطها لتدريب ورعاية الأجيال الشابة من خلال فرقة النيل للغناء الشعبي، وهو ما يعكس دورها الريادي في حماية الفن الفلكلوري من الاندثار، وضمان انتقاله عبر الأجيال كجزء لا يتجزأ من الثقافة المصرية العريقة التي برعت في تمثيلها محلياً ودولياً.
فاطمة سرحان في عيون السينما والدراما المصرية
لم تكتفِ فاطمة سرحان بمنصات الغناء والموالد، بل امتد حضورها الطاغي إلى شاشات السينما والدراما التلفزيونية، حيث شاركت بالتمثيل والغناء في مجموعة من الأفلام الهامة التي خلدت صورتها في ذاكرة الجمهور.
بدأت رحلتها السينمائية بفيلم "أنا الدكتور" عام 1968، ثم توالت أعمالها في أفلام مثل "حد السيف" و"الجوازة دي مش لازم تتم" و"احذروا هذه المرأة" في مطلع التسعينيات.
وفي مرحلة متأخرة من حياتها، فاجأت الجمهور بظهور مميز في مسلسل "أفراح القبة" عام 2016، حيث أضافت بلمستها الشعبية واقعية وروحاً خاصة للعمل الدرامي. كما سجلت تعاوناً فنياً لافتاً مع النجمة أنغام في ألبوم "وحدانية" عام 1999، مما أثبت قدرتها على التلون والانسجام مع مختلف المدارس الغنائية، مؤكدة أن الفن الشعبي هو الأصل الذي تنبت منه كافة الفنون الحديثة.
التكريمات الرسمية وتوثيق تاريخ فاطمة سرحان الفني
تقديراً لعطائها المستمر لأكثر من سبعين عاماً، نالت الفنانة فاطمة سرحان العديد من التكريمات الرسمية من قبل الدولة المصرية، حيث كرمتها الهيئة العامة لقصور الثقافة ومنحتها درع الهيئة في عام 2015 تقديراً لدورها الوطني في توثيق التراث الشعبي المصري.
كما قام المركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية بإصدار كتيب توثيقي شامل يتناول مسيرتها منذ نشأتها في الغربية وحتى تربعها على عرش الغناء في القاهرة، بالإضافة إلى إنتاج فيلم تسجيلي يوثق محطاتها الفنية ولقاءاتها النادرة.
وتعد فاطمة سرحان نموذجاً للمرأة المصرية المثقفة فطرياً، فهي زوجة المطربة الشعبي عطية إسماعيل السفرتي، ووالدة المطربة سوزان عطية وحنان عطية، مما يعني أن الفن كان يسري في عروق عائلتها كرسالة سامية تهدف للحفاظ على الهوية المصرية.
أبرز الأعمال الغنائية والمواويل التي خلدت ذكراها
تزخر المكتبة الموسيقية المصرية بمئات الأعمال التي سجلتها فاطمة سرحان بصوتها القوي والمميز، ومن أشهر أغانيها "كيد النسا"، "على ورق الفل"، و"خضرة الشريفة"، بالإضافة إلى روائعها في المديح النبوي مثل "في مدح النبي" و"الحمد لله الحنان" و"إتلموا كل الأوليا". كما تميزت في المواويل العاطفية والاجتماعية مثل "يا مظلومين في الهوى"، "أنا قلبي في حبك"، و"يا أسطى العربية"، فضلاً عن غنائها للسير الشعبية مثل "هاجر والخليل".
إن رحيل فاطمة سرحان في الثالث عشر من مارس 2026 يمثل نهاية حقبة ذهبية من تاريخ الغناء الشعبي الصادق، ولكن صوتها سيظل حياً في أروقة حي السيدة زينب وموالد الحسين، كشاهد على عصر كان فيه الموال هو لسان حال الشعب المصري وقصته التي لا تنتهي مع الصبر والحب والجمال.