ميراث الدم في الشروق: حيثيات الحكم بالسجن 10 سنوات لقاتل شقيقه دهساً
تعتبر قضية "ميراث الدم" التي شهدتها مدينة الشروق واحدة من أكثر القضايا التي هزت الرأي العام المصري مؤخراً، حيث تجسدت فيها معاني الجحود وتغليب المادة على صلة الرحم بشكل مأساوي.
بدأت الواقعة بخلافات أسرية معتادة حول تقسيم تركة الأب وإدارة الممتلكات الضخمة التي تركها للأبناء، إلا أن هذه الخلافات سرعان ما تحولت إلى صراع ممتد انتهى بجريمة قتل بشعة أمام باب منزل الوالد.
وقد أسدلت محكمة الجنايات الستار على هذه القضية بإصدار حيثيات حكمها بالسجن المشدد لمدة عشر سنوات على المتهم، كاشفة عن تفاصيل صادمة حول اللحظات الأخيرة في حياة المجني عليه والدوافع التي أدت بشقيقه إلى ارتكاب هذه الفعلة النكراء التي تجرد فيها من كل مشاعر الأخوة والإنسانية.
جذور الخلاف المادي
تعود بذور الأزمة إلى تقسيم إدارة ممتلكات الأب بين الأبناء الثلاثة، حيث تم الاتفاق في البداية على توزيع المسؤوليات لضمان استقرار المشاريع العائلية الضخمة التي تديرها الأسرة.
وكان النصيب الأكبر من نصيب المجني عليه الذي تولى إدارة مدرسة "رواد الصديق"، بينما أُسندت للمتهم إدارة مدرسة "صن رايز"، وتفرغ الشقيق الأكبر لإدارة المطحن التابع للعائلة.
ورغم أن هذا التقسيم بدا عادلاً في ظاهره، إلا أن رياح الطمع بدأت تهب من جانب المتهم والشقيق الأكبر، اللذين رفضا الاستمرار في تنفيذ الاتفاق المبرم، وطالبا بالحصول على نصيبهما من التركة نقداً بدلاً من الإدارة، وهو ما فجر فتيل الأزمة وجعل جلسات الصلح تتحول إلى مشادات كلامية وتهديدات مستمرة طوال الفترة التي سبقت الحادثة المشؤومة.
وقائع يوم الحادث
في يوم الواقعة، دعا الأب ابنه المجني عليه وزوجته لتناول وجبة الغداء في فيلته بمدينة الشروق، في محاولة منه لتلطيف الأجواء وتقريب وجهات النظر بين الأشقاء المتناحرين ولكن المفاجأة كانت بتواجد الشقيق الأكبر في المنزل، وما هي إلا دقائق حتى لحق بهم المتهم، لتتحول مائدة الغداء إلى ساحة حرب كلامية.
لم يكتفِ المتهم بالصراخ، بل صعد إلى الطابق العلوي بمنزل والده وهو يحمل ماسورة حديدية أخفاها مسبقاً، وبدأ في تكسير محتويات المنزل والاعتداء على الممتلكات في حالة من الهياج العصبي، مما دفع المجني عليه للتدخل سريعاً للاطمئنان على والده المسن ومحاولة تهدئة الموقف، إلا أن المتهم حاول الفتك به والإمساك به عنوة داخل المنزل لولا تدخل زوجة الأب التي نجحت في إبعاد المجني عليه وإنزاله إلى الشارع.
لحظة الغدر والدهس
لم تنتهِ المأساة عند حد الشجار الجسدي، بل اتخذت منحنى إجرامياً غير مسبوق عندما خرج المجني عليه من الفيلا محاولاً المغادرة بسيارته لتجنب المزيد من المشاكل.
وفي تلك اللحظة، استقل المتهم سيارته بسرعة جنونية وتوجه نحو شقيقه مباشرة، حيث صدمه أمام فيلا والدهما بقوة هائلة، ولم يتوقف عند الصدمة الأولى، بل واصل دهس شقيقه وسحبه تحت عجلات السيارة لمسافة تجاوزت 500 متر على مرأى ومسمع من الجيران والمارة، هذه المسافة الطويلة أكدت للمحكمة توافر نية القتل العمد والإصرار على إنهاء حياة الشقيق، حيث تسبب الحادث في إصابات بالغة وكسور متهتكة أدت إلى وفاة المجني عليه فور وصوله إلى المستشفى، تاركاً خلفه عائلة محطمة وصدمة لم تندمل آثارها حتى اللحظة.
خلال جلسات المحاكمة، شهدت القضية تحولاً كبيراً عندما قدمت أسرة المجني عليه تنازلاً رسمياً عن الحق المدني وعفت عن المتهم، رغبة منهم في عدم خسارة ابن آخر بعد رحيل شقيقه.
واستندت المحكمة في حيثيات حكمها بالسجن لمدة 10 سنوات إلى روح الشريعة الإسلامية التي تجيز العفو في القصاص، معتبرة أن التنازل يعد سبباً قانونياً لتخفيف العقوبة من الإعدام أو المؤبد إلى السجن المشدد.
وأوضحت المحكمة أن العقوبة هنا تهدف إلى الزجر العام وتحقيق الردع لكل من تسول له نفسه استباحة الدماء بسبب حطام الدنيا، مؤكدة أن "ميراث الدم" لا يمكن أن يمر مرور الكرام حتى مع وجود تنازل الأهل، لأن الحق العام للدولة في حماية أمن مواطنيها يظل قائماً ومقدماً لضمان استقرار المجتمع وتطبيق العدالة الناجزة.