حسن وتد: الشفاعة ثابتة في القرآن لكنها لا تكون إلا بإذن الله ورضاه
تحدث الدكتور حسن عبد الحميد وتد، أستاذ ورئيس قسم التفسير وعلوم القرآن في جامعة الأزهر، عن مفهوم الشفاعة في القرآن الكريم، موضحًا أن الشفاعة تعد من القضايا العقدية المهمة التي تناولتها آيات القرآن الكريم، لكنها لا تتحقق إلا بإذن الله ورضاه، مؤكدًا أن القرآن يضع ضوابط واضحة لهذه المسألة حتى لا يُساء فهمها.
جاء ذلك خلال تقديمه برنامج نورانيات قرآنية المذاع عبر قناة صدى البلد، حيث تناول تفسير عدد من الآيات الواردة في سورة الذاريات، موضحًا ما تحمله من معانٍ إيمانية عميقة تتعلق بالمسؤولية الفردية للإنسان يوم القيامة، وكذلك مفهوم الشفاعة وعلاقته برحمة الله وعدله.
وأوضح وتد أن الشفاعة ثابتة في القرآن الكريم والسنة النبوية، لكن القرآن يوضح أن هذه الشفاعة لا تكون مطلقة أو مستقلة، بل تتم بإذن الله وحده. وأشار إلى أن أول من يشفع يوم القيامة هو النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وهو ما يعرف بالشفاعة العظمى التي اختصه الله بها تكريمًا له ورفعةً لمقامه بين الأنبياء.
وأضاف أن الشفاعة لا تقتصر على النبي محمد صلى الله عليه وسلم فقط، بل هناك أنواع أخرى من الشفاعات وردت في النصوص الدينية، مثل شفاعة الأنبياء، وشفاعة الشهداء، وشفاعة الصالحين، وكذلك شفاعة الملائكة، بل وحتى القرآن الكريم يشفع لصاحبه يوم القيامة. لكنه شدد على أن كل هذه الشفاعات لا يمكن أن تتحقق إلا بإذن الله ورضاه، استنادًا إلى العديد من الآيات القرآنية التي تؤكد أن الشفاعة مرتبطة بإرادة الله وحكمته.
وأشار أستاذ التفسير إلى أن القرآن الكريم يهدف من خلال الحديث عن الشفاعة إلى ترسيخ مفهوم المسؤولية الفردية لدى الإنسان، حيث لا يجوز لأي شخص أن يعتمد على شفاعة غيره دون أن يسعى بنفسه إلى العمل الصالح والالتزام بتعاليم الدين. وأكد أن كل إنسان مسؤول عن أفعاله وأقواله يوم القيامة، ولن يتحمل أحد ذنب غيره.
وفي هذا السياق استشهد وتد بقوله تعالى: "أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ"، موضحًا أن هذه الآية تؤكد أن كل إنسان سيحاسب على ما قدمه في حياته، سواء كان خيرًا أو شرًا. لذلك لا ينبغي للإنسان أن يقارن نفسه بالآخرين أو يبرر أخطاءه بسلوك غيره، لأن الحساب يوم القيامة سيكون فرديًا ويعتمد على عمل الإنسان نفسه.
كما أوضح أن القرآن الكريم يستخدم القصص والمواعظ لتذكير الإنسان بحقيقة الحياة الدنيا وقصر مدتها، وأن الهدف الأساسي من هذه الرسائل هو دفع الإنسان إلى مراجعة نفسه والتفكير في مصيره في الآخرة. فالقرآن لا يكتفي بذكر الأحكام فقط، بل يقدم أيضًا توجيهات روحية وأخلاقية تساعد الإنسان على بناء حياة متوازنة تقوم على الإيمان والعمل الصالح.
وتطرق وتد في حديثه إلى الانتقال في السياق القرآني من سورة الذاريات إلى سورة القمر، حيث يقول الله تعالى: "اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ". وأوضح أن هذه الآيات تحمل دلالات عميقة تتعلق بقرب يوم القيامة وتذكير الإنسان بضرورة الاستعداد لهذا اليوم بالأعمال الصالحة.
وأشار إلى أن بعض الناس قد يرون الآيات والمعجزات الواضحة ثم يستمرون في التكذيب والابتعاد عن الحق، وهو ما يعكس حالة من تضاغن القلوب وعدم انسجام العقول. وبيّن أن القرآن يحذر من هذه الحالة، لأنها قد تقود الإنسان إلى الضلال والابتعاد عن الطريق المستقيم.
كما أكد أن الرسالة الأساسية لهذه الآيات هي دعوة الإنسان إلى التمسك بالحق والابتعاد عن الغي والضلال، مع ضرورة التمسك بالقيم الإيمانية والأخلاقية التي دعا إليها الإسلام. فالإيمان الحقيقي لا يقتصر على الأقوال فقط، بل يجب أن ينعكس في سلوك الإنسان وأعماله اليومية.
واختتم الدكتور حسن عبد الحميد وتد حديثه بالتأكيد على أن فهم معاني القرآن الكريم وتدبر آياته يساعد الإنسان على إدراك حقيقة الحياة وهدفها، كما يرسخ في قلبه الإيمان بعدل الله ورحمته. وأوضح أن الشفاعة في الإسلام ليست وسيلة للاتكال أو التراخي في العمل، بل هي رحمة من الله يمنحها لمن يشاء من عباده، لكنها تظل مرتبطة بإذنه ورضاه، وهو ما يدفع المؤمن إلى الاجتهاد في الطاعة والعمل الصالح طلبًا لرضا الله والفوز بالنجاة يوم القيامة.