علي جمعة يحذر من "عصابات الزكاة" ويؤكد دور التحول الرقمي في حماية أموال المتبرعين
أكد الدكتور علي جمعة، عضو هيئة كبار العلماء، أن هناك ضرورة ملحة لتطبيق نظم دقيقة وشفافة لإدارة أموال الزكاة والصدقات، مشيرًا إلى وجود ما وصفه بـ"عصابات الزكاة" التي تستغل الأموال الخيرية لأغراض غير مشروعة، بما في ذلك شراء المخدرات أو تمويل أنشطة منافية للشريعة. وأضاف جمعة أن هذا الواقع يحتم على المؤسسات الخيرية اتخاذ إجراءات صارمة للتحقق من استحقاق المستفيدين قبل صرف أي مساعدات، لضمان وصول الدعم لمن هو في حاجة فعلية.
جاء ذلك خلال لقاءه ببرنامج اعرف دينك المذاع عبر قناة صدى البلد، حيث تحدث عن مشروع تحويل عمل مؤسسات الزكاة إلى قاعدة بيانات موحدة تشرف عليها وزارة التضامن الاجتماعي. وأوضح أن هذه القاعدة تهدف إلى منع التكرار في صرف المساعدات لشخص واحد من جهات متعددة، وهو ما قد يحرم آخرين مستحقين من حقوقهم، كما يضمن توجيه أموال الزكاة في مصارفها الشرعية وفقًا للشريعة الإسلامية.
وأشار المفتي السابق إلى أن التشدد في التدقيق يأتي انطلاقًا من قاعدة فقهية راسخة وهي "درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة"، موضحًا أن حماية أموال الزكاة من الانحراف عن غايتها الأصلية أهم من المصلحة الاجتماعية المتمثلة في تجنب إحراج المحتاج أو الاستهانة بخصوصيته، مؤكدًا أن الهدف الأساسي هو الحفاظ على كرامة المستحقين وضمان نزاهة الصرف.
وفي سياق حديثه عن وسائل الصرف، أكد جمعة أن استخدام الكوبونات التموينية أو بطاقات الشراء كوسيلة لإخراج الزكاة يعد مقبولًا شرعًا، بشرط أن تتيح للمستحق الحصول على احتياجاته الأساسية من طعام وكساء، مع ضرورة وجود إدارة احترافية تضمن وصول هذه الكوبونات إلى مستحقيها الفعليين، دون تدخل أو إساءة استخدام من أي طرف. وأضاف أن هذه الطريقة تواكب العصر الرقمي وتزيد من فعالية توزيع الزكاة والصدقات، وتقضي على حالات التلاعب والخداع التي شهدتها بعض المؤسسات في الماضي.
ولفت جمعة إلى أن التحول الرقمي يشكل أداة حاسمة لضمان النزاهة والشفافية، مستشهداً بمقولة عمر بن عبد العزيز: "يُحدث لكم من الأمر بقدر ما تُحدثون"، في إشارة إلى أهمية تطوير الأنظمة لمواكبة أساليب الغش الحديثة. وأوضح أن الدولة والمؤسسات الخيرية تسعى للوصول إلى نظام رقمي متكامل بحلول عام 2030، يضمن توزيع المساعدات بموضوعية وعدالة، مع توثيق كل مرحلة من عملية الصرف لتفادي أي استغلال أو فساد محتمل.
وأشار إلى أن هذا النظام الرقمي يشمل رصد وتسجيل بيانات المستفيدين بشكل دقيق، وتحديد مستويات استحقاقهم وفق معايير واضحة، وهو ما يقلل من الأخطاء البشرية ويزيد من فعالية العمل الخيري. وأكد أن الجمع بين الرقمنة والضوابط الشرعية يشكل نموذجًا مثاليًا لمؤسسات الزكاة المعاصرة، حيث يتم الجمع بين الشريعة والتكنولوجيا لضمان العدالة وتحقيق أهداف الزكاة في المجتمع.
كما تناول جمعة موضوع العلاقة بين التدقيق وكرامة المحتاج، موضحًا أن الاهتمام بالشفافية والرقابة لا يتعارض مع احترام المستفيدين، بل العكس، فالتحقق من الاستحقاق يضمن أن لا يكون هناك إساءة استغلال أو إحراج، وبالتالي يحمي كرامة المحتاج ويحفظ حقوق الآخرين أيضًا. وأكد أن هذه الإجراءات تعزز ثقة المتبرعين في المؤسسات الخيرية، ما يزيد من حجم التبرعات وفاعلية العمل الإنساني.
واختتم المفتي السابق حديثه بالتأكيد على أن التحول الرقمي لا يقتصر على صرف الزكاة والصدقات فقط، بل يمتد ليشمل جميع أشكال العمل الخيري والإداري داخل المؤسسات الدينية والخيرية، موضحًا أن الرقمنة الكاملة توفر مراقبة لحظية لجميع العمليات، وتمنع الفساد والاختلاس وتضمن وصول الدعم لمن يستحقه فعليًا، بما يحقق العدالة الاجتماعية ويرسخ قيم التكافل والتعاون بين أفراد المجتمع.
وبذلك يضع جمعة إطارًا واضحًا للكيفية التي يمكن بها الجمع بين الشريعة الحديثة والتقنيات الرقمية لضمان وصول أموال الزكاة والصدقات لمستحقيها، مع الحفاظ على الكرامة الإنسانية ومنع أي تلاعب أو استغلال، مؤكدًا أن هذا النهج يمثل خطوة متقدمة نحو تطوير العمل الخيري في مصر وتحقيق أعلى درجات الشفافية والفعالية في المستقبل.