ads
الخميس 04 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

تحية العلم في الإسلام.. بين الرمزية الوطنية والتأصيل الشرعي

خلف الحدث

أثار الحديث عن مشروعية تحية العلم في الإسلام تساؤلات متكررة، خاصة في ظل تنوع الآراء حول بعض الممارسات المرتبطة بالرموز الوطنية، إلا أن الدكتور أحمد عصام فرحات، خطيب وإمام مسجد السيدة زينب، قدم طرحًا واضحًا ومبسطًا يحسم الجدل، مؤكدًا أن تحية العلم تُعد سلوكًا مشروعًا لا يتعارض مع تعاليم الإسلام، بل تندرج في إطار احترام الوطن وتقدير رموزه.

وخلال تقديمه برنامج "اقرأ وربك الأكرم" المذاع على قناة صدى البلد، أوضح أن تحية العلم ليست عبادة دينية حتى يُبحث لها عن دليل تعبدي خاص، وإنما هي تعبير رمزي يعكس الانتماء والولاء للوطن، مشيرًا إلى أن الإسلام لم يمنع مثل هذه الممارسات طالما لا تتضمن شركًا أو مخالفة صريحة للعقيدة.

وأكد أن العلم يمثل رمز الدولة، وأن احترامه هو في جوهره احترام لكيان الوطن الذي يعيش فيه الإنسان، ويستفيد من خيراته، ويتمتع بحمايته، موضحًا أن كل ما يرمز إلى الوطن يستحق التقدير، سواء كان ذلك العلم أو النشيد الوطني أو غيرها من الرموز السيادية.

وأضاف أن هذا المفهوم ليس بعيدًا عن روح الشريعة الإسلامية، بل له جذور واضحة في السيرة النبوية، حيث كانت "الراية" في عهد النبي صلى الله عليه وسلم تمثل رمزًا جامعًا للمسلمين في الحروب والغزوات، وكان لها مكانة كبيرة في نفوس الصحابة.

واستشهد الدكتور أحمد عصام فرحات بحديث النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة خيبر، عندما قال: "لأعطين الراية غدًا رجلًا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله"، وهو الحديث الذي يشير إلى المكانة الرمزية الكبيرة للراية، حيث كانت تعبر عن الشرف والانتماء والقيادة.

وأوضح أن المقصود بالراية في ذلك الوقت يشبه إلى حد كبير العلم في العصر الحديث، فكلاهما يمثل رمزًا جامعًا للأمة، ويعبر عن هويتها ووحدتها، وبالتالي فإن احترام العلم لا يخرج عن هذا الإطار، بل يعد امتدادًا طبيعيًا لهذه الرمزية التاريخية.

وأشار إلى أن الإسلام دين واقعي يراعي تطور المجتمعات وتغير مظاهر الحياة، ولا يقف عند شكل معين من التعبير، طالما أن الجوهر لا يتعارض مع العقيدة، مؤكدًا أن تحية العلم تدخل ضمن العادات والتقاليد التي تهدف إلى تعزيز روح الانتماء الوطني.

وتابع أن حب الوطن قيمة أصيلة في الإسلام، وقد تجلت في مواقف عديدة من السيرة النبوية، أبرزها حزن النبي صلى الله عليه وسلم عند خروجه من مكة، وقوله: "والله إنك لأحب بلاد الله إليّ"، وهو ما يعكس عمق الارتباط بالمكان والانتماء إليه.

وأكد أن هذه المعاني يجب أن تُغرس في نفوس النشء منذ الصغر، من خلال تعليمهم احترام الرموز الوطنية، وفي مقدمتها العلم، باعتباره أحد أهم مظاهر السيادة والاستقلال، مشيرًا إلى أن ذلك يعزز من قيم المسؤولية والانتماء.

وشدد على أن المشكلة لا تكمن في الفعل ذاته، بل في فهمه، فالبعض قد يخلط بين التعظيم المشروع للرموز الوطنية وبين العبادات، وهو خلط غير صحيح، لأن العبادات لها ضوابطها الخاصة، بينما تحية العلم تندرج ضمن السلوكيات الاجتماعية.

وأضاف أن احترام العلم لا يعني تقديسه، وإنما تقدير ما يمثله من معانٍ، مثل الوحدة الوطنية، والتاريخ المشترك، والتضحيات التي قدمها أبناء الوطن من أجل حمايته، وهو ما يجعل هذا السلوك مقبولًا من الناحية الشرعية.

وأوضح أن الفقه الإسلامي قائم على مراعاة المقاصد، وأن أي سلوك يحقق مصلحة عامة ولا يتعارض مع نص شرعي، فإنه يكون جائزًا، بل قد يكون مستحبًا إذا كان يعزز من استقرار المجتمع وترابطه.

كما أشار إلى أن هناك قاعدة فقهية مهمة تنطبق على هذا الأمر، وهي أن "الأصل في العادات الإباحة"، ما لم يرد نص بتحريمها، وهو ما ينطبق على تحية العلم، حيث لا يوجد ما يمنعها شرعًا.

وأكد أن الدعوات التي تحرم مثل هذه الممارسات دون دليل واضح قد تؤدي إلى خلق حالة من التشدد غير المبرر، وتؤثر سلبًا على مفاهيم الانتماء الوطني، خاصة لدى الأجيال الجديدة.

واختتم الدكتور أحمد عصام فرحات حديثه بالتأكيد على أهمية التوازن في فهم الدين، وعدم تحميل النصوص ما لا تحتمل، مشددًا على أن الإسلام يدعو إلى البناء لا الهدم، وإلى تعزيز القيم الإيجابية التي تخدم المجتمع.

وأشار إلى أن الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم في حب الوطن واحترامه، يمثل نموذجًا عمليًا يجب أن يُحتذى به، خاصة في ظل التحديات التي تواجه المجتمعات في العصر الحديث.

وأكد أن تحية العلم، في هذا السياق، ليست مجرد حركة رمزية، بل رسالة تعكس الانتماء والولاء، وتعبر عن تقدير الإنسان لوطنه، وهو ما يتسق مع القيم الإسلامية التي تدعو إلى حب الخير، والوفاء، والانتماء.

تم نسخ الرابط