نص حيثيات براءة متهم فتاة الأتوبيس.. غياب الدليل وتضارب الروايات يحسمان الحكم
أودعت محكمة جنح المقطم حيثيات حكمها ببراءة شاب في القضية المعروفة إعلاميًا بـ”فتاة الأتوبيس”، كاشفةً عن أسباب قانونية وموضوعية انتهت معها إلى عدم ثبوت الاتهام، بعدما أحاطت بوقائع الدعوى وأدلتها عن بصر وبصيرة، لترجح كفة الشك لصالح المتهم وتقضي ببراءته.
وأكدت المحكمة برئاسة القاضي محمد جمال الدين، أن الأوراق خلت من دليل يقيني يُطمئن إليه في إدانة المتهم، وأن التناقض الواضح في رواية المجني عليها، وعدم تأييدها بشهادة الشهود أو دليل مادي، ألقى بظلال كثيفة من الشك حول صحة الاتهام.
أسباب الحكم في قضية فتاة الأتوبيس
أودعت محكمة جنح المقطم برئاسة القاضي محمد جمال الدين، حيثيات حكمها ببراءة شاب في القضية المعروفة إعلاميا بفتاة الأتوبيس.
قالت المحكمة في حيثيات حكمها برئاسة القاضي محمد جمال الدين وبحضور الحسن أبو قورة وكيل النيابة بامانة سر كرم جبر، أنها بعد الاطلاع على الأوراق وسماع المرافعة الشفوية، حيث أسندت النيابة العامة للمتهم أنه بتاريخ سابق على الإحالة، بدائرة قسم المقطم:
• تعرض لأنثى على وجه يخدش حياءها في الطريق العام، على النحو المبين بالتحقيقات، وهي الجريمة المؤثمة طبقًا للمادة 306 مكرر (أ) فقرة (1) من قانون العقوبات.
حيث يخلص وجيز الواقعة فيما جاء بمحضر جمع الاستدلالات المحرر بتاريخ 2026/2/8، والثابت به بلاغ المجني عليها/ مريم شوقي فاروق، والتي أفادت بتضررها من أحد الأشخاص لقيامه بمعاكستها بألفاظ جنسية خادشة للحياء العام حال توجهها إلى محل عملها.
وإذ باشرت النيابة العامة التحقيقات، وبسؤال المجني عليها قررت بمضمون ما سلف، وأضافت أن المتهم في تاريخ سابق على الواقعة بعدة أيام استوقفها بالطريق العام (كوبري عبور مشاة) طالبًا منها التعارف، فنهرته على فعلته تلك تاركة إياه، فقذفها المتهم بعصا معدنية وقالب حجري، ومضت دون إبلاغ.
إلا أنها فوجئت في يوم الواقعة، وأثناء توجهها إلى محل سكنها، بإبصاره يستقل معها ذات وسيلة المواصلات (أتوبيس نقل عام)، ويتلفظ لها بألفاظ خادشة للحياء، الأمر الذي دعاها إلى الاستغاثة بالركاب المتواجدين بالحافلة، مدعية قيامه بسرقة مبلغ مائتي جنيه، إلا أنه لم يستجب أحد لها، فاستغاثت مرة أخرى، وأطلعت الركاب بأن المتهم قد تحرش بها لفظيًا من قبل، فلم يستجب أحد، فقامت بتصوير مقطع مرئي داخل الحافلة يبين وجه المتهم لتحرير محضر ضده.
وباستجواب المتهم أنكر ما نسب إليه من اتهام، وأنكر سابقة تقابله مع المجني عليها، ونوه إلى أن طبيعة عمله كحداد بمحطة الأتوبيس الترددي تقضي تواجده أعلى كوبري مشاه البارون، وأشار إلى أنه حاول الإمساك بالهاتف المحمول الخاص بالمجني عليها داخل الحافلة بقصد منعها من تصويره.
وبسؤال الشاهد يوسف محمد السيد قرر أنه حال رؤيته للمتهم فوجئ بقيام المجني عليها تستغيث بالركاب مدعية قيام المتهم بسرقتها، وأنه تحرش بها، ثم قامت بتصويره داخل الحافلة، وأضاف أنه لم يشاهد المجني عليها من قبل.
وبسؤال الشاهد بدر عبد العزيز عبد الحميد قرر بذات مضمون ما قرره سالف الذكر، وأضاف أنه شاهد الواقعة بأكملها، ونفى حدوث أية من الاتهامات الواردة بأقوال المجني عليها، وردد ذات مضمون أقوال سابقيه.
وبسؤال المقدم أحمد جمعة، رئيس وحدة مباحث قسم المقطم، قرر بأن تحرياته توصلت إلى قيام المتهم بالتحرش اللفظي بالمجني عليها بألفاظ خادشة للحياء العام، ولم تتوصل التحريات إلى قصد المتهم من تلك الألفاظ، وأن المتهم لم يتتبع المجني عليها، وأن التقائه بها كان بمحض الصدفة، كما لم تتوصل تحرياته إلى صحة واقعة قيام المتهم بإلقاء عصا حديدية أو قالب حجري صوب المجني عليها، كما نفى شروع المتهم في سرقة الهاتف المحمول الخاص بها كما ادعت، بل قرر أنه فعل ذلك بغرض منعها من تصويره.
وإذ تداولت الدعوى بالجلسات، مثل خلالها وكيل عن المجني عليها وادعى مدنيًا قبل المتهم، ومثل وكيل المتهم وادعى مدنيًا مقابلًا على سبيل التعويض المؤقت، وبجلسة اليوم حضر وكيل المدعية بالحق المدني وقدم إعلانًا بالدعوى المدنية وصمم على الطلبات، ومثل وكيل المتهم وقدم مذكرة وطلب البراءة لكيدية الاتهام وتلفيقه وتناقض أقوال المجني عليها وخلو الأوراق من ثمة دليل مادي، وبطلان التحريات، وانعدام الركنين المادي والمعنوي للجريمة، وقررت المحكمة حجز الدعوى للحكم بجلسة اليوم.
أما عن موضوع الدعوى، فالمحكمة تستهل قضاءها بأن المستقر عليه بقضاء محكمة النقض أنه:
“القانون لم يرسم شكلًا خاصًا يصاغ فيه الحكم بيان الواقعة المستوجبة للعقوبة والظروف التي وقعت فيها، فمتى كان مجموع ما أورده الحكم كافيًا في تفهم الواقعة بأركانها وظروفها حسبما استخلصتها المحكمة، كان محققًا لحكم القانون، فمنعى الطاعن بالقصور لا محل له.”
(الطعن رقم 13575 لسنة 92 ق)
كما أنه من المقرر أنه يكفي في المحاكمات الجنائية أن تتشكك المحكمة في إسناد التهمة إلى المتهم لكي تقضي له بالبراءة، مادام حكمها يشتمل على ما يفيد أنها محصت الدعوى وأحاطت بظروفها وأدلة الاتهام عن بصر وبصيرة، ووازنت بينها وبين أدلة النفي، فرجحت دفاع المتهم أو داخلتها الريبة والشك في صحة عناصر الاتهام.
وكما قضت أيضًا أن:
“أساس الأحكام الجنائية هو حرية قاضي الموضوع في تقدير الأدلة القائمة في الدعوى، فله أن يقدرها التقدير الذي يطمئن إليه دون أن يكون ملزمًا ببيان سبب اطراحه.”
(الطعن رقم 653 لسنة 54 ق – جلسة 1984/11/20)
ومن المستقر عليه فقهًا أن الأصل في المتهم البراءة حتى تثبت إدانته، ولا تُبنى الأحكام إلا على اليقين لا على الشك، وأن الشك يفسر لصالح المتهم، إذ لا يصلح الشك لنفي أصل البراءة.
وحيث إنه لما كان ما تقدم، وكانت المحكمة قد طالعت أوراق الدعوى ومحصتها بعناية، وأحاطت بظروفها وملابساتها عن بصر وبصيرة، فقد تبين لها أن الاتهام المسند إلى المتهم قد شابه كثير من الغموض واللبس، وأحاطت به الشكوك من كل جانب، بما لا تطمئن معه المحكمة إلى صحة نسبته إليه.
وذلك على سند من أن أقوال المجني عليها جاءت مرسلة متناقضة لا يعاضدها دليل، إذ تعارضت مع ما جاء بالتصوير المقدم، وكذلك مع أقوال شهود الواقعة، فتارة تنسب واقعة التعرض إلى وقت سابق، وتارة إلى يوم الواقعة، وتارة تتهمه بالسرقة، وتارة بالتحرش، وهو ما نفته أقوال الشهود التي اطمأنت إليها المحكمة.
وقد قرر الشهود أن المجني عليها قامت بالصراخ فجأة متهمة المتهم بسرقة مبلغ مالي، ولم يستجب لها أحد لبعده عنها داخل الأتوبيس، ثم اتهمته بالتحرش وقامت بتصويره، دون أن يشاهد أي منهم واقعة تعدٍ عليها.
ومن ثم، تتشكك المحكمة في صحة روايتها، ولم يتبق في الأوراق سوى التحريات، وهي لا تعدو أن تكون رأيًا لصاحبها تحتمل الصدق والكذب ولا ترقى إلى مرتبة الدليل.
وبناءً عليه، تنهار أركان الجريمة المادية والمعنوية، وتغدو الواقعة غير ثابتة في حق المتهم، ويكون الاتهام قد جاء قاصرًا في دليله.
ولما كان الشك يفسر لصالح المتهم، وأن الأحكام الجنائية تُبنى على الجزم واليقين لا على الظن والاحتمال، فإن المحكمة تقضي ببراءة المتهم مما أسند إليه.
وحيث إنه عن الدعوى المدنية، ولما كانت المحكمة قد انتهت إلى براءة المتهم، وكان طلب التعويض مؤسسًا على ثبوت الخطأ، فإنه بانتفاء الخطأ لا محل للتعويض، ومن ثم يتعين رفض الدعوى المدنية، مع إلزام رافعها بالمصروفات، عملًا بالمادة 320 من قانون الإجراءات الجنائية، والمادة 187/1 من قانون المحاماة.
وحيث إنه عن الدعوى المدنية المقابلة، فقد نصت المادة 267 من قانون الإجراءات الجنائية على حق المتهم في مطالبة المدعي بالحقوق المدنية بالتعويض إذا ثبت سوء استعمال الحق.
كما استقر قضاء النقض على أن استعمال الحق لا يكون غير مشروع إلا إذا قصد به الإضرار بالغير، وأن مجرد القضاء بالبراءة لا يُعد دليلًا على كيدية البلاغ.
ولما كان المدعي لم يقدم دليلًا على سوء نية المجني عليها أو تعسفها في استعمال حقها في الإبلاغ، فإن دعواه تكون قائمة على غير سند، مما يتعين معه رفضها.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة:
• ببراءة المتهم مما أسند إليه.
• برفض الدعوى المدنية.
• برفض الدعوى المدنية المقابلة.






