ads
الخميس 04 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

جنايات الجيزة تحسم الاختصاص الحائر بين محكمتي "الاقتصادية" و "الجنايات" في جنحة سب وقذف وزير التعليم

المستشار د. محمد
المستشار د. محمد الجنزوري

قضت محكمة جنايات الجيزة بعدم اختصاصها بنظر جنحة سب وقذف أقامها وزير التربية والتعليم والتعليم الفني، تأسيسًا على أن الواقعة صادرة من أحد الأفراد عبر موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»، وليس من صحفي نقابي أو من خلال وسيلة إعلامية مرخصة، وفقًا لأحكام قانون تنظيم الصحافة والإعلام والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام رقم 180 لسنة 2018.

وأكدت المحكمة أن الاختصاص ينعقد لمحكمة الجنح العادية وفقًا للقواعد المقررة للاختصاص، باعتبارها من النظام العام.

وقالت المحكمة، برئاسة المستشار الدكتور محمد الجنزوري وعضوية المستشارين محمد سالمان ووائل الشيمي وأيمن زعلوك، بأمانة سر أحمد رفعت وماجد منير، في الجنحة رقم 102 لسنة 2026 جنح الطالبية، المقيدة برقم 1624 لسنة 2026 كلي جنوب الجيزة، والصادر حكمها بجلسة 8/3/2026، إنه بعد تلاوة أمر الإحالة وسماع طلبات النيابة العامة ودفاع المتهم، والمرافعة الشفوية، والاطلاع على الأوراق، والمداولة قانونًا، تبين الآتي:

أسندت النيابة العامة إلى المتهم محمد أبو زيد، أنه خلال شهر يناير 2025، بدائرة قسم شرطة الهرم بمحافظة الجيزة:

  1. أذاع عمدًا أخبارًا كاذبة عن وزارة التربية والتعليم والتعليم الفني، من شأنها تكدير الأمن العام والإضرار بالمصلحة العامة، وذلك بنشرها عبر موقع «فيسبوك» باستخدام حساباته الإلكترونية «محمد باشا» و«محمد سيد سيد»، على النحو المبين بالتحقيقات. 
  2. أهان علنًا وزارة التربية والتعليم والتعليم الفني، بأن نشر عبارات وألفاظًا عبر الصفحات المشار إليها، تضمنت طعنًا في أعمالها وكيفية إدارتها. 
  3. قذف بسوء نية المجني عليه محمد أحمد عبد اللطيف (وزير التربية والتعليم والتعليم الفني)، بسبب أدائه الوظيفي، بأن أسند إليه وقائع لو صحت لأوجبت احتقاره بين أبناء وطنه. 
  4. سبّ علنًا الوزير وكافة العاملين بالوزارة بسبب أدائهم لوظيفتهم، من خلال نشر عبارات وألفاظ تضمنت خدشًا للاعتبار. 
  5. تعمد إزعاج المجني عليه بإساءة استعمال وسائل الاتصالات، من خلال ارتكاب الأفعال سالفة الذكر. 
  6. نشر بسوء قصد أخبارًا وإشاعات كاذبة، تضمنت معلومات مغلوطة عن وقائع فساد، من شأنها إثارة الفزع بين المواطنين والإضرار بالمصلحة العامة، عبر حساباته على «فيسبوك». 
  7. أدار واستخدم تلك الحسابات الإلكترونية في ارتكاب الجرائم محل الاتهام. 

وكان القائم بأعمال المحامي العام الأول لنيابة الشؤون الاقتصادية وغسل الأموال قد قرر، استنادًا إلى مذكرة النيابة المختصة، إحالة الجنحة إلى إحدى دوائر الجنايات بمحكمة القاهرة الاقتصادية، مطالبًا بمعاقبة المتهم وفقًا للمواد 102 مكرر (1)، و166 مكرر، و171/5، و184، و185، و302/1، و303/2، و306، و308 مكرر (1، 2) من قانون العقوبات، والمادتين 70 و76/بند (2) من قانون تنظيم الاتصالات رقم 10 لسنة 2003، فضلًا عن المادتين 1 و27 من القانون رقم 175 لسنة 2018 بشأن مكافحة جرائم تقنية المعلومات.

وقد اعتمدت النيابة المذكورة في هذه الإحالة، وما ورد من اتهامات، على شكوى الوزير المشار إليه، وما أسفرت عنه تحريات هيئة الرقابة الإدارية بشأن حقيقة الواقعة، وما شهد به السيد محمد علاء عز الدين، عضو هيئة الرقابة الإدارية، بثبوت تلك التحريات، وأن المتهم هو صاحب الحسابات الإلكترونية سالفة الذكر.

وكذلك ما شهد به محمد عبد المجيد، مدير إدارة بالإدارة العامة للشؤون القانونية بوزارة التربية والتعليم والتعليم الفني، والمفوض عن الوزير المجني عليه بموجب تفويض كتابي.

وبالقبض على المتهم واستجوابه في تحقيقات النيابة العامة، أقرّ ببعض الاتهامات المنسوبة إليه، وأنكر البعض الآخر، وأضاف أن لديه حسابين على موقع «فيسبوك» باسم «محمد باشا» و«محمد سيد سيد»، وأنه غير مقيد بنقابة الصحفيين. 

كما قرر أنه كان يمتلك جريدة ورقية وأخرى إلكترونية مقيدتين بأسماء صحفيين نقابيين، وبرئاسة تحرير صحفي مقيد بالنقابة، إلا أنه قام بإغلاقهما لعدم قدرته المالية، موضحًا أن المنشورات المنسوبة إليه كتبها لإثبات حقه في كتاب، وأنه كان يقصد النقد وليس الإساءة.

ثانيًا: تداول الدعوى أمام المحاكم

تداولت الجنحة أمام محكمة جنايات القاهرة الاقتصادية، وبتاريخ 10/11/2025، قضت الدائرة الثالثة جنايات بعدم اختصاصها نوعيًا بنظر الدعوى، تأسيسًا على أنها ليست من الجنايات المنصوص عليها في قانون المحاكم الاقتصادية، وإنما تُعد من الجنح التي تقع بواسطة الصحف أو غيرها من طرق النشر، ومن ثم ينعقد الاختصاص لمحكمة الجنايات العادية المختصة مكانيًا.

وبتاريخ 12/1/2026، أحال المستشار المحامي العام الأول لنيابة جنوب الجيزة الكلية الجنحة إلى هذه المحكمة.

وحيث تداولت الدعوى أمام هذه المحكمة، ولم يحضر المتهم رغم إعلانه قانونًا، فقد مضت المحكمة في نظر الدعوى والفصل فيها بحالتها المعروضة.

أولًا: مدى التزام المحكمة بحكم الإحالة

ترى المحكمة أنه، وإن كان من المستقر عليه قضاءً وفقًا لقانون المرافعات أن المحكمة المُحال إليها تلتزم بنظر الدعوى، إلا أن هذا الالتزام يكون مقيدًا بالأسباب التي بُني عليها حكم عدم الاختصاص.

فإذا تبين للمحكمة المُحال إليها عدم اختصاصها لسبب آخر، جاز لها أن تقضي بعدم اختصاصها، وأن تحيل الدعوى إلى المحكمة المختصة نوعيًا.

وبناءً عليه، ولما كانت المحكمة ملزمة بالفصل في مدى اختصاصها النوعي قبل التعرض لموضوع الدعوى، فإنها ترى عدم اختصاصها، ومن ثم لا تلتزم بحكم الإحالة المشار إليه.

ثانيًا: الاختصاص النوعي بنظر الدعوى

من المقرر أن القواعد المتعلقة بالاختصاص في المواد الجنائية تُعد من النظام العام، لما لها من صلة بحسن سير العدالة.

كما أن المشرع قد وزع الاختصاص بين محاكم الجنايات والمحاكم الجزئية على أساس نوع الجريمة والعقوبة المقررة لها، وليس على أساس العقوبة التي قد تُوقع فعليًا.

ولمحكمة الموضوع سلطة تكييف الواقعة، وهي غير مقيدة بالوصف القانوني الذي تسبغه النيابة العامة، بل يتعين عليها تمحيص الواقعة بكافة أوصافها وتطبيق القانون تطبيقًا صحيحًا.

وقد نصت المادة (215) من قانون الإجراءات الجنائية على أن:
“تحكم المحكمة الجزئية في كل فعل يُعد مخالفة أو جنحة، عدا الجنح التي تقع بواسطة الصحف أو غيرها من طرق النشر على غير الأفراد.”

كما نصت المادة (216) على أن:
“تحكم محكمة الجنايات في كل فعل يُعد جناية، وفي الجنح التي تقع بواسطة الصحف أو غيرها من طرق النشر، عدا الجنح المضرة بأفراد الناس وغيرها من الجرائم التي ينص القانون على اختصاصها بها.”

ونصت المادة (382) من ذات القانون على أنه:
“إذا رأت محكمة الجنايات أن الواقعة كما هي مبينة في أمر الإحالة، وقبل تحقيقها بالجلسة، تُعد جنحة، فلها أن تحكم بعدم الاختصاص وتحيلها إلى المحكمة الجزئية.”

تكييف واقعة النشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي

بتطبيق ما تقدم، يتبين أن المشرع أسند جرائم النشر إلى محاكم الجنايات على سبيل الاستثناء، رغم كونها جنحًا، بشرط أن تكون قد ارتُكبت عن طريق صحيفة بالمعنى القانوني، أي وسيلة إعلامية مرخصة، سواء كانت ورقية أو إلكترونية، وفقًا لقانون تنظيم الصحافة والإعلام رقم 180 لسنة 2018.

أما النشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي، مثل «فيسبوك» أو غيره، من قبل أفراد عاديين، فلا يُعد نشرًا صحفيًا بالمعنى القانوني، لعدم صدوره عن صحيفة أو مؤسسة إعلامية مرخصة.

وقد عرّف القانون الصحفي بأنه المقيد بنقابة الصحفيين، والصحيفة بأنها كل إصدار ورقي أو إلكتروني يصدر بصفة دورية عن جهة مرخص لها ويحرره صحفيون نقابيون.

ومن ثم، فإن الوقائع محل الدعوى، لكونها صادرة عن فرد غير مقيد بنقابة الصحفيين، وعبر حسابات شخصية على مواقع التواصل الاجتماعي، تخضع لأحكام قانون العقوبات، وقانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018، وينعقد الاختصاص بنظرها لمحكمة الجنح المختصة.

مبدأ التفسير الضيق للنصوص الجنائية

ومن المستقر عليه أن النصوص الجنائية تُفسر تفسيرًا ضيقًا، ولا يجوز التوسع فيها أو القياس عليها، خاصة في مسائل الاختصاص.

وقد استقر قضاء محكمة النقض على عدم جواز التوسع في تفسير اختصاص محاكم الجنايات في جرائم النشر، وعدم امتداد هذا الاختصاص إلى النشر الإلكتروني الصادر من الأفراد (الطعن رقم 764 لسنة 93 قضائية – جلسة 14/5/2024).

لما كان ذلك، وكان الثابت أن النشر تم عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وليس من خلال صحيفة مرخصة، كما أن المتهم ليس صحفيًا نقابيًا، فإن شروط اختصاص محكمة الجنايات لا تتوافر.

ومن ثم، ينعقد الاختصاص لمحكمة الجنح المختصة، عملًا بالمادة (215) من قانون الإجراءات الجنائية، مع إرجاء الفصل في المصروفات، وفقًا للمفهوم المخالف للمادة (313) من ذات القانون.

تم نسخ الرابط