في ذكرى وفاته.. جورج سيدهم "الطفل النقي" الذي طهرته الأوجاع من شوائب العالم
تمر هذه الأيام الذكرى السادسة لرحيل أحد أعمدة الكوميديا الراقية في الوطن العربي، الفنان المصري القدير جورج سيدهم، الذي غادر دنيانا في السابع والعشرين من مارس عام 2020، تاركاً خلفه إرثاً فنياً لا ينضب وبصمة إنسانية عصية على النسيان، وبالرغم من مرور سنوات على رحيله، إلا أن تفاصيل يومه الأخير ظلت طي الكتمان حتى قرر المستشار المصري أمير رمزي، شقيق الفنان هاني رمزي، كشف النقاب عن تلك اللحظات المؤلمة التي عاشها مع عائلة الراحل.
حيث ارتبطت عائلة رمزي بعلاقة وطيدة واستثنائية مع جورج سيدهم وزوجته الدكتورة ليندا، مما جعلهم شهود عيان على رحلة الصبر الطويلة التي خاضها هذا الفنان الذي فقد القدرة على الكلام لسنوات طويلة، لكنه لم يفقد القدرة على التواصل بروحانية ونقاء وصفه المقربون منه بأنه نقاء الأطفال الذي تطهر من شوائب الحياة ومحنها القاسية.
استغاثة اللحظة الأخيرة وكواليس المستشفى
روى المستشار أمير رمزي عبر حسابه الرسمي على "فيسبوك" تفاصيل مكالمة هاتفية لم ينسها قط، جرت قبل ستة أعوام، حينما تلقى اتصالاً من الدكتورة ليندا، زوجة الفنان الراحل، وهي في حالة من الذعر والاستغاثة بسبب تدهور مفاجئ في حالة زوجها وعدم قدرته على التنفس، وفي تحرك سريع.
تم استدعاء سيارة إسعاف ونقل جورج سيدهم إلى أحد المستشفيات الكبرى بمنطقة مصر الجديدة بالقاهرة، حيث دخل فور وصوله إلى غرفة الرعاية المركزة وسط ترقب وقلق شديدين، ولم تمر دقائق معدودة حتى خرج الطبيب ليزف الخبر الحزين بوفاة الفنان، وهو الخبر الذي نزل كالصاعقة على أمير رمزي، الذي وجد نفسه في موقف إنساني شديد الصعوبة، محاولاً التمهيد للزوجة المكلومة التي ظلت لمدة ساعة كاملة تسأل عن تطورات حالته، بينما كان هو يحاول انتقاء الكلمات لتخفيف وطأة الصدمة قبل إعلان الحقيقة المرة.
"قولي إن جورج سافر".. صمود الزوجة الوفية
في واحدة من أكثر اللحظات تأثيراً في تاريخ الوسط الفني، كشف أمير رمزي عن رد فعل الدكتورة ليندا حينما شعرت بقرب إعلان خبر الوفاة، حيث فاجأته بجملة فلسفية مليئة بالإيمان والوجع قائلة: "قولي إن جورج سافر"، وهنا ساد الصمت المكان وعجز المستشار أمير رمزي عن الرد، واصفاً تلك اللحظة بأنها من أصعب وأؤلم اللحظات التي مرت في حياته، فقد كانت الدكتورة ليندا نموذجاً نادراً للوفاء، حيث ارتبطت بجورج سيدهم قبل عام واحد فقط من إصابته بالمرض الذي أقعده وصادر صوته، لتستمر معه في رحلة علاج ومعاناة استمرت قرابة عشرين عاماً، كانت فيها الزوجة والممرضة والصوت الذي يتحدث باسمه، وهو ما جعل أمير رمزي يصفها بأنها "أفضل زوجة في الدنيا"، نظراً لما قدمته من تضحيات جسام في سبيل راحة شريك عمرها دون كلل أو ملل.
عقدان من الصمت والرضا بقضاء الله
لقد كان جورج سيدهم حالة إنسانية فريدة، فبالرغم من صمته الإجباري طوال العشرين عاماً الأخيرة من حياته بسبب تداعيات المرض، إلا أن ملامح وجهه كانت تشع دائماً بالشكر والرضا، ويؤكد المقربون منه أنه لم تظهر عليه يوماً علامات الغضب أو الاعتراض على قضاء الله، بل كان يتحلى بصبر أيوب، محتفظاً بابتسامته الهادئة التي كانت رسالة صامتة لكل من يزوره.
ووصفه المستشار أمير رمزي بأنه كان "طفلاً نقياً"، حيث يرى أن فترة المرض الطويلة قد صفت روحه من كدر الدنيا ومشاكلها، وجعلته في حالة من الصفاء الذهني والروحي، وكان دائماً ما يستقبل أصدقاءه، وعلى رأسهم الفنان هاني رمزي وأشقاؤه، بحفاوة وكرم نابعين من أصله الصعيدي العريق وأخلاقه التي اتسمت بالشهامة والنبل طوال مسيرته المهنية والخاصة.
إرث ثلاثي أضواء المسرح والنهاية الهادئة
رحيل جورج سيدهم لم يكن مجرد غياب لفنان كوميدي، بل كان إيذاناً برحيل جزء هام من تاريخ "ثلاثي أضواء المسرح" الذي رسم البهجة على وجوه الملايين.
ورغم أن المرض أبعده عن الأضواء لسنوات طويلة، إلا أن الجمهور لم ينسه يوماً، وظلت أعماله المسرحية والسينمائية شاهدة على عبقريته، وفي ذكراه السادسة، يجدد محبوه الدعوات له بالرحمة، متذكرين تلك التفاصيل الإنسانية التي رواها أمير رمزي، والتي تؤكد أن العظمة لا تكمن فقط فيما يقدمه الفنان على الشاشة، بل في قدرته على مواجهة المحن بكرامة وشموخ، وفي قدرة المحيطين به على الوفاء له حتى الرمق الأخير، ليبقى جورج سيدهم "المسافر" الدائم في قلوب عشاق الفن المصري الأصيل، تاركاً خلفه سيرة عطرة وقصة كفاح وإيمان ستظل تروى للأجيال القادمة كنموذج للرضا والمحبة الخالصة.