ليس الحياد قيمةً مطلقة تُستدعى في كل حال، ولا مبدأً صالحًا لكل سياق، بل هو موقفٌ يتشكّل بقدر ما يحيط به من شروطٍ ومآلات.
فهو في لحظةٍ ما قد يكون حكمةً تُبقي الجسور قائمة، وفي لحظةٍ أخرى قد ينقلب إلى خذلانٍ يُسقط المعنى الأخلاقي للموقف. ومن هنا، فإن فهم الحياد لا يكون إلا بردّه إلى مناطه: طبيعة الصراع، وحدود أثره، ومآلاته على الأمن والاستقرار.
في سياق الخلافات بين الأشقاء، حيث تتشابك المصالح وتتداخل الحسابات، قد يكون الحياد أداةً إصلاحية، تُتيح للوسيط أن يتحرك بين الأطراف دون أن يُحسب على أحدها.
إنه حيادٌ وظيفته رأب الصدع، لا تعميقه، وتمهيد الطريق للحل، لا إغلاقه.
وفي هذا المقام، يكون الحياد تموضعًا ذكيًا داخل المسؤولية، لا خروجًا منها، لأنه يحفظ إمكان التلاقي، ويمنع انزلاق الخلاف إلى قطيعة.
غير أن هذا المعنى ينقلب رأسًا على عقب حين يتبدّل توصيف الصراع. فإذا تحوّل الخلاف إلى عدوانٍ صريح يستهدف أمن الدول واستقرار المجتمعات، فإن الحياد يفقد مشروعيته، بل يصبح خللًا في التقدير وإخلالًا بالواجب.
وفي سياق العدوان الإيراني الغاشم على دول الخليج العربية، لا يعود الحياد خيارًا أخلاقيًا، بل يتحول إلى موقفٍ ملتبس يفتح المجال للعدوان أن يتمدّد دون كلفة.
فالوقوف على مسافةٍ واحدة من المعتدي والمعتدى عليه ليس توازنًا، بل مساواةٌ مختلّة تُفرغ العدالة من مضمونها.
لكن الأخطر من الحياد السلبي، هو ذلك الموقف الذي يتخفّى خلف خطابٍ يبدو متوازنًا، وهو في جوهره موقفٌ تأمريّ مزدوج.
حيث نرى خطابًا يُدين في الظاهر جميع أشكال العدوان، فيدين العدوان الامريكي الإسرائيلي على إيران، ويدين في الوقت ذاته العدوان الإيراني على دول الخليج، لكنه يفعل ذلك بلغةٍ مسطّحة تُساوي بين سياقاتٍ مختلفة، وتُذيب الفوارق بين الفعل الدفاعي والفعل العدواني.
هذا التماثل المصطنع لا يُنتج توازنًا، بل يُربك الوعي، ويُشوّش البوصلة، ويُسهم في تمييع المسؤوليات.
ثم يتقدّم شكلٌ أخبث من هذا الخطاب، حين يتحوّل الحياد إلى تبريرٍ مباشر للعدوان.
حيث يُقال إن ما تتعرض له دول الخليج إنما هو استهدافٌ لقواعد عسكرية أجنبية، وكأن القصف الذي يطال الواقع اليومي للناس لا يُرى، أو يُراد له ألا يُرى.
والحقيقة التي لا يمكن القفز عليها، أن من يعيش تحت وقع هذا العدوان يدرك أنه لا يستهدف قواعد عسكرية فحسب، بل يطال البيوت، والمدارس، والمرافق العامة، من مطاراتٍ إلى منشآت حيوية كمعامل تحلية المياه.
إن تبرير هذا الواقع أو التخفيف من حدّته ليس مجرد خطأ في التوصيف، بل كذبٌ وافتراء، يرقى إلى مستوى التواطؤ مع الفعل العدواني.
وهنا، لا يعود الحديث عن حيادٍ أو حتى عن سوء تقدير، بل عن خطابٍ يُسهم – عن قصد أو عن غير قصد – في إضعاف الموقف الوطني، وتشويش الرأي العام، وإضفاء غطاءٍ معنوي على العدوان.
وهذا هو أخطر أشكال الانحراف، لأنه لا يواجه العدوان مباشرة، بل يلتف حوله بلغةٍ رمادية تُخفي أكثر مما تُظهر.
وفي خلفية هذا كله، يبرز عاملٌ آخر يزيد المشهد تعقيدًا، وهو توظيف الحياد في خدمة حساباتٍ حزبية أو تنظيمية ضيقة.
حين تُقدَّم الجماعة على الدولة، والتنظيم على الأمة، يتحول الحياد إلى أداةٍ وظيفية تُدار لخدمة مصالح خاصة، ولو كان الثمن هو المساس بأمن الوطن واستقراره.
هنا، لا يكون الحياد إلا ستارًا لانحيازٍ مقنّع، أو تآمرٍ ناعم يتخفّى خلف لغة الاعتدال.
وعليه، فإن القاعدة التي ينبغي استحضارها ليست في تمجيد الحياد أو رفضه بإطلاق، بل في إعادة ضبط معاييره.
الحياد مشروعٌ ما دام يُسهم في حفظ السلم، ويسقط حين يُهدَّد الأصل الذي يحميه، وهو أمن الدول واستقرارها.
فإذا كان الحياد في زمن الخلاف وسيلةً للإصلاح، فإنه في زمن العدوان قد يتحول إلى خيانةٍ للموقف، أو إلى غطاءٍ للتواطؤ.
ويبقى السؤال الجوهري: هل نملك القدرة على التمييز بين حيادٍ يُصلح وحيادٍ يُفسد؟ وهل نستطيع أن نكشف الخطاب الذي يتخفّى خلف التوازن ليُمرّر انحيازاته؟ ثم، وهو الأهم، هل نملك شجاعة اتخاذ الموقف حين يصبح الموقف ضرورة، لا خيارًا؟
- دول الخليج العربي
- الخليج العربي
- الأمن والاستقرار
- استقرار المجتمع
- المرافق العامة
- الحياد
- مفهوم الحياد
- الحياد السياسي
- الحياد في النزاعات
- الحياد الأخلاقي
- الحياد في الصراعات الدولية
- العدوان الإيراني
- أمن دول الخليج
- السياسة الإقليمية
- الخطاب الإعلامي
- ازدواجية المعايير
- تزييف الوعي
- التوازن الزائف
- توصيف الصراعات
- المسؤولية الأخلاقية
- الوعي السياسي
- تأثير الإعلام على الرأي العام
- الأمن القومي العربي

