لحظات فارقه في حياة المئات من المحكوم عليهم بالإعدام اليوم تحول تشريعي وقضائي بالغ الاهمية، شهد القضاء المصري تطبيقا مبكرا لنص المادة 22 من قانون الاجراءات الجنائية الجديد رقم 174 لسنة 2025، وذلك قبل الموعد الرسمي لسريان القانون في اكتوبر المقبل.
وهو يمثل لي نقطة فاصلة في فلسفة التجريم والعقاب خاصة في اخطر الجرائم، وهي جرائم الدم والقتل المحكوم فيها بالإعدام
اولا : اليوم واقعة قضائية تؤسس لمرحلة جديدة
في حكم يعد الاول من نوعه في تاريخ القضاء المصري حيث قضت محكمة النقض في الطعن رقم 11458 لسنة 94 ق بالاعتداد بالتصالح الذي ابرمه دفاع متهمين في جريمة قتل عمد مع سبق الاصرار والترصد مع ورثة المجني عليه، وقضت بتخفيف العقوبة من الاعدام الى السجن المؤبد لاحدهما، والسجن المشدد عشر سنوات للاخر.
ورغم رفض المحكمة لكافة اوجه الطعن الشكلية والموضوعية، فانها اعتدت بالتصالح باعتباره واقعة قانونية جوهرية، مستندة الى نص المادة 22 من القانون الجديد باعتباره القانون الاصلح للمتهم.
ثانيا: فكرة التطبيق المبكر للنص
ولماذا من وجهة نظر بعض المشتغلين بالقانون
لماذا طبق نص لم يدخل حيز التنفيذ بعد؟
الاجابة جاءت واضحة في تسبيب المحكمة، اذ استندت الى نص المادة 5 من قانون العقوبات، التي تقرر مبدأ تطبيق القانون الاصلح للمتهم باثر فوري منذ صدوره، دون انتظار سريانه.
وقد فرقت المحكمة بوضوح بين سريان القانون كقاعدة عامة وتطبيقه كقانون اصلح للمتهم فالاول يرتبط بضمان العلم
أما الثاني
فيرتبط بتحقيق العدالة
وهو ما يبرر
ان المحكمة قامت بتطبيق النص بمجرد صدوره.
ثالثا: لكن هناك شروط للاعتداد بالتصالح وفقا للمادة 22
ارست محكمة النقض من خلال احكامها الاخيرة مجموعة من الضوابط لتفعيل هذا النص اهمها:
١ : اثبات التصالح رسميا بين الجاني وورثة المجني عليه
٢ : تقديم هذا التصالح قبل صدور حكم بات
٣ : ان تكون الجريمة من الجرائم المحددة حصرا بالنص مثل جرائم القتل والضرب المفضي الى الموت
٤ : استبعاد الجرائم ذات الطابع الارهابي
كما الزمت المادة المحكمة بتطبيق المادة 17 من قانون العقوبات، بما يعني وجوب استعمال الرافة، دون ان يكون لها خيار في رفضها، مع بقاء سلطتها التقديرية في تحديد العقوبة المخففة.
رابعا: تحول في فلسفة العدالة الجنائية
يمثل هذا التوجه خروجا عن مبدأ مستقر تاريخيا، وهو عدم جواز الصلح في الجنايات خاصة جرائم القتل، باعتبارها اعتداء على حق المجتمع قبل ان تكون اعتداء على الفرد.
غير ان المشرع، ومن بعده القضاء، اتجه الى ادماج البعد الاجتماعي والانساني في العدالة الجنائية، من خلال الاعتداد بارادة ولي الدم واعطاء مساحة للصلح كوسيلة لتحقيق السلم الاجتماعي.
خامسا: لا يعني هذا التحول اهدار حق المجتمع، بل اعادة توازن دقيق بين الردع العام وتحقيق العدالة التصالحية.
فالعقوبة لا تسقط، وانما تخفف وهو ما يحقق نوعا من العدالة المرنة التي تراعي خصوصية كل واقعة.
ولهذا الحكم اثار مستقبلية متوقعة لانه
يفتح الباب امام تفعيل التصالح في جرائم القتل العمد لاول مرة، واعادة النظر في العديد من القضايا المنظورة، وتشجيع الحلول التصالحية في اطار منضبط قانونا.
كما يضع على عاتق الدفاع دورا محوريا في السعي لابرام الصلح قبل صدور الاحكام الباتة.
ختاما
ان المادة 22 من قانون الاجراءات الجنائية الجديد تعبر عن تحول عميق في فلسفة العدالة الجنائية في مصر خاصة في قضايا الثأر
واذا كان هذا الحكم هو البداية، فان الايام القادمة ستكشف عن مدى تاثير هذا التوجه على مستقبل العدالة الجنائية في مصر ومستقبل عائلات كثيرة ترغب في التصالح وإنهاء سلسال الدم ...
للحديث بقية
- قانون الإجراءات الجنائية
- الإجراءات الجنائية
- قانون العقوبات
- السجن المؤبد
- محكمة النقض
- سبق الإصرار
- القانون الأصلح للمتهم
- الضرب المفضي الي الموت
- سبق الاصرار والترصد
- قتل عمد مع سبق الإصرار والترصد
- عقوبة الإعدام
- العدالة الجنائية
- جريمة قتل عمد مع سبق الإصرار
- المادة 17 من قانون العقوبات
- قتل عمد مع سبق الإصرار
- جريمة قتل عمد