فتوى دار الإفتاء المصرية: تحذير شديد من انتهاك ستر الموتى تحت دعوى "الموعظة"
أصدرت دار الإفتاء المصرية فتوى حاسمة رداً على واقعة أثارت جدلاً واسعاً على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث ظهرت إحدى مغسلات الموتى في مقطع مصور تتحدث فيه عن "علامات سوء خاتمة" رصدتها أثناء تغسيل ميتة.
وأكدت الدار في بيانها أن الشريعة الإسلامية تضع حرمة الميت في مقام حرمة الحي، وأن التفتيش عن عيوب الموتى ورصد علامات منفرة ونشرها للناس هو مسلك محرم شرعاً ويتنافى مع الفطرة الإنسانية السليمة.
وشددت الفتوى على أن الغرض من تغسيل الميت هو التكريم والتطهير لا التشهير والتجسس، محذرة من أن هذه الأفعال تفتح باباً للفتنة وترويع الأحياء وإيذاء مشاعر أهل المتوفى بلا مقتضى شرعي، وهو ما يستوجب التصدي لمثل هذه الظواهر الغريبة على قيم المجتمع الإسلامي.
حكم الشرع في جعل "رصد العيوب" باعثاً لتغسيل الموتى
أوضحت دار الإفتاء أن الأصل في غسل الموتى أنه "عبادة" مبناها الأساسي هو الإخلاص لله عز وجل والستر الكامل للمتوفى، ولا يجوز شرعاً بأي حال من الأحوال أن يكون الباعث وراء الغسل هو التفتيش عن عيوب الميت أو رصد ما يُعرف بـ "علامات سوء الخاتمة".
وأشارت الدار إلى أن الغاسل مؤتمن على ما يراه، والأمانة تقتضي الستر لا التشهير، فالمسلم مأمور بذكر محاسن موتاه والكف عن مساوئهم. إن جعل التفتيش غرضاً للغسل يخرج هذه العبادة عن مقصودها الشرعي ويحولها إلى فعل آثم يترتب عليه وزر كبير، خاصة وأن هذه العلامات قد تكون ناتجة عن أمراض طبيعية أو تغيرات كيميائية في الجسد بعد الوفاة ولا علاقة لها بالخاتمة يقيناً.
الرد على دعوى "الموعظة والعظة" في إفشاء أسرار المغسلة
فندت دار الإفتاء الادعاءات التي ساقتها المغسلة بأن قصدها هو "الموعظة والعلم"، مؤكدة أن القصد الحسن لا يبرر الوسيلة المحرمة. فدعوى الموعظة لا تبرر انتهاك ستر الميت أو إفشاء ما يُرى أثناء الغسل من عورات أو تغيرات جسدية، بل إن هذا المسلك يُعد من قبيل "الغيبة المحرمة" التي تشتد حرمتها لكونها في حق ميت لا يملك الدفاع عن نفسه.
وشددت الفتوى على أن إكرام الإنسان ميتًا كإكرامه حيًّا، وأن إفشاء الأسرار التي يراها الغاسل هو "خيانة للأمانة" التي اؤتمن عليها أمام الله وأمام أهل المتوفى. إن الموعظة الحقيقية تكون بذكر الموت والعمل للآخرة، لا بانتهاك الحرمات وتفصيل الأمور المنفرة التي تسيء للمتوفى وتؤلم أسرته.
الآداب الإسلامية في تغسيل الموتى وحماية كرامة الإنسان
أكدت الفتوى أن ما قامت به المغسلة المذكورة هو مسلك يتنافى تماماً مع الآداب الإسلامية والأصول الفقهية الراسخة. فالشريعة وضعت شروطاً صارمة لمن يتولى الغسل، أهمها أن يكون "أميناً ساتراً"، فإذا رأى خيراً أذاعه، وإذا رأى غير ذلك ستره وصمت. إن نشر مثل هذه المقاطع المصورة يمثل مخالفة صريحة لأحكام الشريعة، لما فيها من "إيذاء لأهل الميت" وترويع للأحياء بنشر تفاصيل مقززة لا تخدم العلم ولا الموعظة. ودعت دار الإفتاء المواطنين والمغسلين إلى الكف عن تداول مثل هذه المحتويات، وضرورة الالتزام بالهدي النبوي في ستر عورات المسلمين، مؤكدة أن التباهي برصد العيوب هو علامة على قسوة القلب والجهل بآداب المهنة والشرع.
المسؤولية القانونية والدينية تجاه "تجار التريند" في ملف الجنائز
طالبت دار الإفتاء بضرورة التصدي لظاهرة "تجار التريند" الذين يستخدمون حرمة الموتى لجذب المشاهدات على منصات التواصل الاجتماعي. وأوضحت أن مغسل الموتى يمارس وظيفة دينية واجتماعية تتطلب أعلى درجات الورع والأمانة، وليس من حقه تصنيف الناس أو الحكم على خاتمتهم بناءً على ملاحظات بصرية قد تحتمل أوجه كثيرة.
وشددت الدار على أن التشهير بالموتى يقع تحت طائلة الإثم الديني، وقد يترتب عليه مساءلة قانونية في الدنيا بتهمة انتهاك حرمة الحياة الخاصة وإفشاء الأسرار. إن حماية قدسية الموت هي حماية للمجتمع ككل، والالتزام بالستر هو السبيل الوحيد للحفاظ على كرامة الإنسان التي كفلها الله تعالى في قوله: "وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ".