الناس موتى وأهل العلم أحياء، سلسلة رواد القانون المدني، من الأساتذة من قرأت لهم وأعجبت بهم وبشخصياتهم بمجرد القراءة وتدبر ما كتبوا أو يكتبون ... وهنا أكرر أن عالم العلماء مفتوح ولا سقف له ويتم التواصل الفكري فيما بينهم دون أحيانا سابق معرفة حقيقية فيما بينهم وهذا من وجهة نظري منتهى الموضوعية والتواضع وقمة تحقيق النجاح.
فكان من هؤلاء العلماء الأستاذ الدكتور عبد المنعم فرج الصدة أحد أهم رواد بل أقطاب القانون المدني في مصر بل في الوطن العربي.
تشرفت بالتعرف عليه من خلال كتاباته والترحم عليه وعلى أفكاره النبيلة وقتما كنت في البعثة الدراسية لتحضير الدكتوراه في فرنسا في القانون المدني المقارن، وكان من حسن حظي أنه من الأساتذة الذين كتبوا قديمًا في موضوعي.
فكان حتماً ولابد المرور من خلال تجربته الفكرية والبحثية كخطوة أساسية في البحث العلمي القانوني وهي خطوة تجميع وتحليل الدراسات السابقة في ذات الموضوع.
وكان موضوع رسالة الدكتوراه الخاصة بسيادته هو نحو نظرية متكاملة لعقود الإذعان.
وبما إنني كنت أحضر الدكتوراه في موضوع التوازن العقدي ونحو نظرية شاملة اجتماعية تناهض مبدأ سلطان الإرادة ، فكان لزاما علي تقصي أفكار هذا العالم الجليل والذي اعتبره أحد أهم أقطاب النظرية الاجتماعية للعقد. تلك الأخيرة التي لم يكتب لها الخروج للنور في الشكل الذي رغبوه الأساتذة الكبار.
لأن ببساطة مبدأ سلطان الإرادة ظل مربعا ومازال على عرش نظرية العقد وتكريسا لمبدأ العقد شريعة المتعاقدين.
ولتقريب الصورة يمكن ذكر أهم أفكار قانونية فلسفية لهذه النظرية الاجتماعية ألا وهي: نظرية متكاملة لعقود الإذعان ، أو نظرية متكاملة للاستغلال دون قصره على الطيش البين والهوى الجامح ، ضبط ما يخص الشروط التعسفية ، نظرية متكاملة للتوازن العقدي، تصالح مصالح الأطراف المتعاقدة ... وغيرها من الأفكار التي قد تحسب على النظرية الاجتماعية العقدية.
وفي هذا الصدد، دار بيني وبين أستاذي الجليل الفاضل الأستاذ الدكتور حسام الدين كامل الأهواني، أستاذ القانون المدني بالكلية وعميدها الأسبق ، حوار رشيق حول رواد وآباء القانون المدني ... وبكل تلقائية وحب سألته عن شكل هؤلاء الأساتذة ،،، فلم يكن لي حظ لرؤيتهم ولا التتلمذ على أيديهم ،، لكني مشتاقة لمعرفة المزيد عنهم لما لمسته من رقي للمشاعر وميزان للكلمات والعبارات التي كانوا يختارونها للتعبير عن أفكار نبيلة.
وفي ذات اليوم مساءاً وجدت معاليه يرسل لي بعض صور هؤلاء الأساتذة الأفاضل ومن ضمنهم صورة للأستاذ عند المنعم فرج الصدة ، وهنا ذكرت رسالته والتي فتحتها لأتصفحها مرة أخرى بعد سنوات ووجدت فيها في أول صفحاتها إهداء " إلى من يحب العلم لوجه الله" .
وهنا أدركت أن العلم لا زمن ولا مكان له سوى الفكر الذي يستطيع أن يوصل أجيال ببعض دون سابق معرفة أو يستطيع أي يوصل أشخاص ببعض من قارات أو جنسيات مختلفة دون سابق ترتيب...
وهنا أدركت أن لغة العلم مثل لغة الحب ومثل لغة الفن ،،، لا تنتظر للكثير من التفكير ولا الترتيب للتعبير عن نفسها ... لأن المفكرين متواصلون دون حاجة ولا ترتيب
وهنا ، لا يسعني في هذا المقام إلا أن اترحم على أستاذنا الأفاضل وفي مقدمتهم الأستاذ الدكتور عبد المنعم فرج الصدة أساس هذا المقال ... ساعين أن يحالفنا الحظ، والوقت والجهد في توثيق بعض هذه النماذج الطيبة في سلسلة مخصوصة لأساتذة القانون المدني والقانون المقارن الذين نقشوا بأفكارهم قبل أقلامهم أفكاراً عجزت التكنولوجيا عن إنتاج مثلها في وقتنا الحاضر.
حقا، هناك أشخاص تعرفهم بسيماهم وبأسمائهم دون معرفتهم بشخصتهم وتشعر وكأنك تعرفهم منذ زمن بعيد أو أن بينك وبينهم تواصل روحاني وفكري ممتد ومستمر...
الناس من جهة التفضيل أكفاءُ … أبوهم آدم والأم حــــــــــــــــواءُ
فإن لهمْ يكن من أصلهم شرفٌ … يفاخرون به فالطينُ والمـــــــاءُ
وما الفخر إلا لأهل العلم إنهمُ… على الهدى لمن استهدى أدلاءُ
وقيمة المرءِ ما قد كان يحسنهُ … والجاهلون لأهل العلمِ أعـــداءٌ
فَعِشْ بعلمٍ تَفُـزْ حيَّاً به أبدا … الناسُ موتى وأهلُ العلمِ أحـــــــياءُ.
* رجاء لكل من لديه معلومات أو ذكرى أو صور أو مواقف مع أحد الأساتذة خصوصاً أساتذة القانون المدني التواصل معنا لإحياء ذكراهم إعلاء لقيمة العلم.