ما زلت أذكرُ – والذاكرةُ لا تجور إذا تحرّت الصدق – تلك المرحلة التي تولّى فيها فضيلةُ الأستاذ الدكتور عباس شومان منصبَ وكيل الأزهر، يوم كانت صورةُ التعليم في كثيرٍ من المعاهد الأزهرية باهتةً لا ترقى إلى ما يليق بتاريخ الأزهر ومكانته.
فقد تفشّت آنذاك ظاهرةُ الغش الجماعي، ولا سيما في امتحانات الثانوية الأزهرية، حتى غدت في بعض المحافظات – ومنها محافظتي كفر الشيخ – نظامًا غير معلن، تُدار له اللجان وفق أهواء بعض أولياء الأمور، اختيارًا لرؤسائها ومراقبيها والعاملين فيها. وترتّب على ذلك أن تصدّر المشهد طلابٌ حصدوا أعلى الدرجات بغير استحقاق، فالتحقوا بكليات القمة، بينما كانت الكفاءة الحقيقية غائبة أو مهمّشة.
وفي خضمّ تلك الأجواء، مررتُ بظرفٍ خاصّ اضطرّني إلى التفكير في تحويل ابنتي إلى أحد معاهد الفتيات. وقيل لي يومها: لا بدّ من موافقة وكيل الأزهر. فتوجّهتُ إليه في مكتبه، فإذا هو مكتبٌ متواضع، يعكس روح صاحبه قبل أن يعكس موقعه. عرّفته بنفسي، وعرضتُ عليه طلبي، فاستمع في هدوء، ثم اعتذر عن قبوله اعتذارًا صريحًا لا لبس فيه، وشرح أسبابه التي لم تكن خافية عليّ؛ إذ أشار إلى شيوع الغش، وإلى قراره الحاسم بمنع تحويل طلاب الثانوية بين المحافظات سدًّا لهذا الباب.
ومع ذلك، لم يُغلق باب الرحمة، بل عرض حلًا وسطًا: أن يُسمح لابنتي بالحضور في المعهد الذي أريده، على أن تؤدّي امتحانها في مقرّها الأصلي. كان موقفًا يجمع بين الانضباط والمرونة، دون أن يفرّط في المبدأ.
ولم يكن ذلك القرار موقفًا عابرًا، بل كان عنوانًا لإرادةٍ صلبةٍ أعلنها بوضوح: إعادةُ الانضباط، واجتثاثُ الغش من جذوره. يومها أشفقتُ عليه، لما أعلمه من عمق الأزمة وتشعّبها، خاصة في ظلّ اضطراب الأوضاع الأمنية عقب أحداث ثورة 25 يناير وما تلاها. فلمّا أبديتُ له تلك المخاوف، أجاب بثقةٍ هادئة: بتعاونكم نستطيع بإذن الله.
ولم تكن كلماته وعدًا نظريًا، بل تحوّلت إلى واقعٍ ملموس. فقد أُحكمت الرقابة، وسُدّت المنافذ، وتكاملت الجهود مع الجهات الأمنية لإحكام الانضباط حول اللجان، فجاءت نتائج الثانوية الأزهرية في ذلك العام صادقةً، تعبّر عن المستوى الحقيقي للطلاب، لا عن مهارة الغش وأساليبه.
وعندئذٍ انكشف المستور؛ إذ أخذ الطلاب غير المؤهلين ينفضّون عن المعاهد الأزهرية، متجهين إلى التعليم العام، حتى خلت بعض المعاهد إلا من القليل. وخشي البعض على الأزهر من هذا النزيف، وتوقّعوا إغلاق معاهده، غير أنّ السنن لا تخذل الصادقين.
فلم تمضِ سوى سنواتٍ قليلة حتى امتلأت تلك المعاهد من جديد، لكن هذه المرّة بطلابٍ متميّزين، حملوا لواء التفوق في كلياتهم، ثم في مواقع عملهم، فعاد للأزهر ألقه، واستعاد إشراقه، وتألّق بنخبةٍ هي بحقّ زينةُ جبينه.
ولم يكن ذلك ليتحقق لولا قيادةٌ واعية، جمعت بين العلم والإدارة، وبين الحزم والعدل؛ قيادةٌ أحسنت اختيار معاونيها من العلماء والإداريين، وأقامت ميزانًا لا يميل: ثوابٌ للمجتهد، وعقابٌ للمقصّر، بلا محاباةٍ ولا مجاملة.
إنها شهادةُ حقّ، تُقال إنصافًا للتاريخ، وتأكيدًا أن الإصلاح – مهما بدا عسيرًا – ممكنٌ إذا صدقت النيات، وقويت العزائم، وتكاملت الجهود.

