ads
الخميس 04 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

في زمن شحت فيه ينابيع الصدق، وخفَتَت أنوار المروءة، وندر الجامعون بين شرف العلم وسؤدد الخُلُق، ينهض اسم الأستاذ الدكتور غانم السعد غانم عَلما خفّاقا في سماء الفضائل، ولواء معقودا لأهل البيان، تُشدّ إليه الرحال، وتُقرع بابه الآمال. 

إمام في معارج العلم إذا عُدّت رجاله، وفارس في ميادين الفضل إذا استُعرضت أبطاله، تقلّد عمادة كليتين عظيمتين سامقتين: كلية الإعلام، وكلية اللغة العربية بجامعة الأزهر المعمور، فاستجمع طرفي البيان، وحاز قُطبَي الريادة، فكان بحق صاحب "العمادتين" معنىً ومبنى، جمع بين رصانة التراث، وتوظيفه في مواكبة العصر، فأتقن الأصول، وأحسن الفروع، وأقام من العلم بنيانًا لا تزعزعه النوازل، ولم يكن –على كثرة من تعاقب على مثل هذا المنصب– عميدًا كغيره من العمداء الذين حُصرت هممهم في جدران المكاتب، وضاقت آفاقهم بحدود الإجراءات، وانصرفت عنايتهم إلى التدبير الإداري المحض، بل جاوز ذلك كله إلى أفق أرحبَ، ومقامٍ أرفع، فكان عميدًا بمعنى الإنسان قبل أن يكون عميدًا بمعنى المنصب.

 لقد جمع من الخصال ما تفرّق في غيره؛ إذ حاز محاسن الشيم، وفنون العلم، ونواصي الإدارة، إذ نظرنا إلى آثاره يوم ولي عمادة كلية الإعلام ثلاثة أعوام، كانت  أعوام خصب دافق، أينعت فيها أغصان الإبداع، واخضرّت فيها أرض المواهب؛ إذ أنشأ –غير مسبوق– صحيفة طلابية دورية، تصدر في انتظام محكم، بشكل أسبوعي أو شهري يتعاهدها أساتذة الإعلام إشرافا وتقويما، فغدت مدرسة في صقل الأقلام، وميدانًا لتمرين الأفهام، ولم يُؤثرْ مثلها قبل عهده ولا بعده، فابتدع بذلك سنة حسنة، وغرس غرسا طيبا في طلابه؛ حتى أصبح خريجو إعلام الأزهر يُشار إليهم بالبنان، وتتنافس المحطات الإذاعية والتليفزيونية والصحف والمجلات على ضمهم إلى صفوفها، وزاد على ذلك أن وجّه أبناء الكلية- إبان عمادته - إلى معترك المنافسات العلمية الكبرى، فخاضوا غمار مسابقةٍ رفيعة أقامتها وكالة الفضاء المصرية، تنافست فيها جامعات مصر طرًّا، فما كان إلا أن علت كفّهم، وسمت رايتهم، فحازوا المركز الأول، في شهادةٍ ناطقة بحسن التدبير، وجودة التأهيل، وبُعد الغاية التي رامها، حتى سبقوا الأقران، وتقدّموا الركب.

وإذا نظرت إلى عمادته لكلية اللغة العربية، لاح لك وجهٌ آخر من وجوه التمام؛ إذ عقد المؤتمر العلمي الدولي الموسوم بـ «التراث والحداثة في اللغة والتاريخ» في مارس سنة 2022، فكان مؤتمرًا جللًا، حشدت له قيادات جامعة الأزهر، وتوافدت إليه وجوه الدولة من الوزراء وكبار المسؤولين، فالتأمت فيه أشتات العقول، وتلاقت فيه أنظار العلماء، وأُدير على منهج قويم من إحكام التنظيم، وإتقان العرض، فاستحسنته النخب، وأكبرته الوفود، وعدّوه من مفاخر المؤتمرات، ومحاسن المواسم العلمية. 

ومن أجل ما تتميز به شخصية الدكتور غانم السعيد ما أودعه الله في قلبه من رحمة رقراقة، ومروءة صادقة؛ فهو –بحول الله– ممن تُحلّ على أيديهم عُقَدُ الأمور، وتُفرج بهم كُرَبُ الدهور، يُيسَّر له ما استعصى على غيره، ويُفتح له من أبواب الإصلاح ما أُغلق في وجوه سواه، كأنما سُخر لقضاء الحاجات، وجُعل مفتاحا للخير مغلاقا للشر، فلا يُطرق له بابٌ إلا أجاب، ولا يُقصد في حاجةٍ إلا قضى وأصاب، حتى غدا بيته مهوى الأفئدة، ومجمع القاصدين، نؤم بيته فلا نجد أحيانا موضع قدم من كثرة الواردين، وتتسع روحه لهم اتساع الفلاة.

يقيم  فضيلته في القاهرة، لكنه لا يطيل الغياب عن مسقط رأسه في كفر الشيخ، حتى إذا جاء استقبلته الجموع استقبال الغيث، يعرضون عليه مشكلاتهم، ويستودعونه همومهم، فلا يبرح مجلسه حتى يُعمل الرأي، ويُحسن السعي، ويبلغ الغاية في الإصلاح، فينصرفون عنه وقد انجابت غياهب الكرب، وانفرجت شدائد الخطوب... إذا دعي إلى محفل تكريم لأهل القرآن الكريم لا يتوانى حتى وإن كان ذلك في أقصى مصر.. دائما متهلل الوجه لا يتثاقل ولا يعتذر، كأنما خُلق للناس كافة، وجُعل عمره وقفًا على مصالحهم.

وأما تواضعه، فبابٌ لو فُتح لطار له اللبُّ عجبًا؛ يخفض الجناح لكل وافد، ويلين العريكة لكل قاصد، لا ترى فيه كِبرَ ذي منصب، ولا صولةَ ذي جاه، بل ترى سمْت العلماء، وسكينة الأتقياء، كأنما صُب التواضع في طينته صبا، إذا  ذُكر ذُكر معه الخير، وإن غاب افتُقد أثره، لأنه لم يعش لنفسه، بل عاش لغيره، ولم يرضَ أن يكون صاحب منصبٍ فحسب، بل أبى إلا أن يكون قيمة قائمة، ورسالةً ماثلة، ونموذجًا يُحتذى به في كل شيء... لله دره من ساعٍ في حوائج الخلق.. أدام الله عليه فضله، وبارك له في عمره، وأهله، وماله، وكل أحبابه.

د. غانم السعيد
د. غانم السعيد
تم نسخ الرابط