ads
الخميس 04 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

هل تخضع استثمارات المعاشات للضرائب؟ مجلس الدولة يضع الكلمة الأخيرة

تعبيرية
تعبيرية

في خطوة قضائية ودستورية بالغة الأهمية، حسمت الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع بمجلس الدولة الجدل المثار حول إخضاع استثمارات الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي للضرائب والرسوم، مؤكدة أن أموال أصحاب المعاشات تتمتع بحصانة قانونية تمنع المساس بها تحت دعاوى المساواة الاستثمارية.

 هذا القرار جاء ليضع حداً للتفسيرات التأويلية للقانون رقم 159 لسنة 2023، والذي قضى في الأصل بإلغاء الإعفاءات الضريبية الممنوحة لجهات الدولة في الأنشطة الاستثمارية والاقتصادية بهدف تعزيز التنافسية مع القطاع الخاص، إلا أن مجلس الدولة كان له رأي مغاير حينما تعلق الأمر بكيان يدير "قوت" الملايين من المواطنين، معتبراً أن طبيعة عمل الهيئة تخرج تماماً عن نطاق "التربح" وتدخل في باب "التكافل الاجتماعي" الذي يحميه الدستور المصري بوضوح.

فلسفة الاستثناء: الاستثمار من أجل الاستدامة لا من أجل الربح

أوضحت الجمعية العمومية في حيثيات فتواها التاريخية أن الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي ليست جهة اقتصادية بالمعنى التقليدي الذي يستهدف تعظيم الأرباح وتوزيعها، بل هي مؤسسة تدير "نظاماً تأمينياً" قائماً على الملاءة المالية المستدامة، حيث أن كل قرش يتم استثماره يوجه مباشرة لدعم صناديق المعاشات وضمان قدرتها على الوفاء بالتزاماتها تجاه ملايين الأسر المصرية. وأكدت الفتوى أن الأنشطة الاستثمارية التي تقوم بها الهيئة مرتبطة ارتباطاً عضوياً وبنيوياً بالخدمة العامة التأمينية، وبالتالي فإن إخضاع هذه العمليات للضرائب أو الرسوم يعني بالضرورة اقتطاع جزء من حقوق أصحاب المعاشات، وهو ما يتنافى مع الغرض الأصيل من إنشاء هذا النظام الذي يهدف إلى توفير الحماية الاجتماعية للمواطنين في حالات العجز والشيخوخة والوفاة.

وشددت الفتوى على أن القانون رقم 148 لسنة 2019 (قانون التأمينات الاجتماعية والمعاشات) قد أرسى قواعد خاصة وشاملة لإعفاء أموال الهيئة من كافة أنواع الضرائب، بما فيها الضريبة على القيمة المضافة والضريبة على العقارات المبنية، بل وأسبغ عليها حماية تشريعية تجعل هذه الإعفاءات غير قابلة للإلغاء إلا بنص صريح ومباشر يستهدف الهيئة بذاتها، وهو ما لم يتضمنه قانون إلغاء الإعفاءات العام الصادر في 2023، وبناءً عليه، يظل الأصل هو "الإعفاء" لضمان عدم المساس بالمركز المالي لمنظومة التأمينات.

الحماية الدستورية والآثار المترتبة على قرار مجلس الدولة

لم تكتفِ الفتوى بالتأصيل القانوني فقط، بل استندت إلى أبعاد دستورية واضحة، مشيرة إلى أن الدستور المصري يولي أهمية خاصة لأموال التأمينات والمعاشات باعتبارها "أموالاً خاصة" للمؤمن عليهم وأصحاب المعاشات، وليست أموالاً عامة تابعة لموازنة الدولة بالمعنى التقليدي.

 إن إخضاع استثمارات الهيئة للضرائب كان من شأنه أن يخلق فجوة في السيولة النقدية اللازمة لصرف المعاشات الشهرية، مما قد يضطر الدولة لاحقاً للتدخل لسد هذا العجز، وهو ما يثبت أن إعفاء الهيئة هو في حقيقته حماية للاقتصاد الكلي وضمان للأمن الاجتماعي في البلاد.

وبهذا القرار، ترسل الجمعية العمومية رسالة طمأنة لملايين المستحقين، مفادها أن الاستثمارات التي تديرها الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي ستظل تنمو بكامل طاقتها دون استقطاعات ضريبية، مما يعزز من فرص تحسين المعاشات ورفع جودة الخدمات التأمينية المقدمة. 

هذا الاستثناء يضع حداً فاصلاً بين "الاستثمار التجاري" الذي تهدف منه جهات الدولة لمنافسة القطاع الخاص، وبين "الاستثمار الاجتماعي" الذي يهدف إلى تأمين مستقبل المواطن، مؤكداً أن الدولة المصرية تضع الحماية الاجتماعية فوق أي اعتبارات مالية أخرى.

تم نسخ الرابط