دموع التماسيح ثم الجريمة.. حيثيات إعدام بائع خضار قتل زوجته بعد اعتذاره لها
في بيتٍ امتدت داخله سنوات من الشراكة والعِشرة، كانت زوجة تظن أنها تبني حياة مستقرة وتُرمم تفاصيل أسرتها يومًا بعد يوم، قبل أن تتحول النهاية إلى قضية انتهت بين صفحات التحقيقات وأوراق المحاكم، بعدما أودعت محكمة جنايات الجيزة حيثيات حكمها بالإعدام شنقًا بحق المتهم.
محكمة جنايات الجيزة تُودع حيثيات حكم الإعدام في قضية قتل زوجة
أودعت محكمة جنايات الجيزة حيثيات حكمها بمعاقبة بدوي مصطفى، بائع خضار، بالإعدام شنقًا، لقيامه بإنهاء حياة زوجته.
قالت المحكمة في حيثيات حكمها، برئاسة المستشار الدكتور محمد الجنزوري، وعضوية المستشارين محمد سالمان، ووائل الشيمي، وأيمن زعلوك، وبأمانة سر أحمد رفعت وماجد منير، إنها بعد تلاوة أمر الإحالة وسماع طلبات النيابة العامة والمرافعة الشفوية ومطالعة الأوراق والمداولة قانونًا:
يقول الحق عز وجل في علاه: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ ۚ وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ صدق الله العظيم ــ سورة التغابن ــ الآية (14.
وحيث إن الواقعة، حسبما استقرت في يقين المحكمة واطمأن لها ضميرها وارتاح لها وجدانها، مستخلصة من أوراق الدعوى وما تم فيها من تحقيقات وما دار بشأنها بجلسة المحاكمة، تتحصل في أن المتهم بدوي مصطفى أغواه الشيطان فصار له حليفًا وناصرًا، فعاث في الأرض فسادًا، ولم يراعِ الله فيما تبقى له من عمر واقترب من نهايته في تلك الحياة الدنيا، ولم يتقِ الله في زوجته وأم أولاده.
وكيف لا، وقد اعتاد تناول المواد المخدرة لتهيئ له سوء عمله وتضله عن الطريق القويم، إذ إنه وبعد خروجه من السجن حيث قضى مدة العقوبة المقررة عليه في قضية سرقة، عاد إلى أسرته المكونة من زوجته المجني عليها حمدية، وابنته وابنه، حيث يعيشون جميعًا بالعقار رقم (1) بشارع الحجاز ــ من أرض البحر ــ الكونيسة ــ دائرة قسم شرطة الطالبية.
وكان المتهم وزوجته المجني عليها يقيمان بالطابق الأول فوق الأرضي، بينما يقيم نجله سيد بدوي مصطفى علي مع زوجته نورا خالد جمعة بالطابق الثاني مع أولادهما، وكان المتهم يستغل الدور الأرضي كمخزن لتجهيز الخضروات قبل بيعها، وتساعده في ذلك المجني عليها سالفة الذكر، بينما تقيم ابنته رحاب مع زوجها في نهاية الشارع المذكور.
وكان هذا وصفًا عامًا لمكان الجريمة، وهو مكان هادئ ومستقر، مثل حياة المتهم التي كانت هادئة ومستقرة لولا تلك السموم التي أدمنها وهيأت له سوء عمله، فاتخذ من الشيطان قرينًا فكان بئس القرين، فتمرد على تلك الحياة الهانئة، وكفر بنعمة الله الذي رزقه بالزوجة الصالحة التي كانت تعينه على مصاعب الدنيا وتساعده في تجارته بتفانٍ وإخلاص، وترضي الله وترضي زوجها، وترعى أسرتها الصغيرة على أكمل وجه.
ولم تكن تنتظر من هذا الزوج بعد كل هذا العناء، الذي استمر نحو ثلاثين عامًا، وهي مدة قيام رابطة الزوجية، سوى القليل، وبدلًا من أن يعاملها بالمعروف ولو بكلمة شكر، إذا به يتحول إلى شيطان مارد، فحوّل حياتها إلى جحيم لا يطاق، حتى استفحلت الخلافات الزوجية بينهما، وتحول المنزل إلى نار اشتعل لهيبها من حدة تلك الخلافات التي أشعلها المتهم دون أي سبب.
وعندما فشلت المجني عليها في إقناعه بالعدول عن تعاطي المواد المخدرة، وفي غضون شهر يونيو 2025، وعقب إصرار المجني عليها على موقفها، أحضر المتهم سكينًا وجرح به المجني عليها، وهو ما دفعها إلى النجاة بحياتها، فتركت منزل الزوجية وغادرت إلى منزل أهلها.
وبعد فترة استرجع المتهم موقفه وعلم بخطئه في حقها، فتوجه إليها في منزل أهلها ودموع التماسيح تظهر في عينيه الظالمة، حيث اعتذر لها، وأوهمها بأنه عاد إلى صوابه وأقلع عن تعاطي المواد المخدرة.
وتحت وطأة العشرة الطويلة، انصاعت له المجني عليها وتوسمت فيه الصدق، فصدقته.
وعادت إلى منزل الزوجية فرِحة مطمئنة، فهذا هو البيت الذي أسسته بكفاحها وشهد أفراحها وآلامها، ولا تعرف ما دبَّره لها المتهم بليل، وأنها لم تشترِ عشرة السنين، وإنما باعت روحها لذئب بشري لا يردعه دين ولا ضمير.
وبتاريخ 3/7/2025 الساعة الحادية عشرة مساءً، وبشقة الزوجية بالعقار المار ذكره، وبعد أن أسدل الليل ستائره، تخير لها حلو الحديث، فظنت به خيرًا، وطلبها للمعاشرة الزوجية، فلم تتأخر عنه وتهيأت له وقالت: «هيت لك»، ولبَّت نداءه بصالة الشقة حيث توجد مرتبة.
وبعد أن فرغ وأتى شهوته، تركها تخلد إلى النوم، ومكث غير بعيد عنها ينظر إليها، حيث كانت الساعة قد اقتربت من الثالثة فجر يوم 4/7/2025، وأخذ يفكر في هدوء وروية، وهو هادئ الحال، قرير العين، وهداه شيطانه إلى أنه إذا كان قد أمسك بالسكين ذات مرة وأصابها، فلماذا لا يعيد الكرَّة؟ ولكن في تلك المرة عليه أن يحسن الطعنة وينجح في قتلها والخلاص منها.
واستمر على هذا الفكر الشيطاني في حالة من هدوء النفس وسكون الليل، حتى إنه استمر على تلك الفكرة من الساعة الثالثة صباحًا وحتى الرابعة والنصف من صباح اليوم المذكور، وبعد أن استقرت الفكرة في قلبه واختمرت في ذهنه، بدأ في تنفيذ مشروعه الإجرامي في إنهاء حياة تلك الزوجة والخلاص منها إلى الأبد، فرسم الخطط وأيقن أنها في سبات عميق ولن تقاومه أو تصرخ طلبًا للنجدة.
فتسلل كالذئاب المتعطشة إلى الدماء ـ وإن كانت الذئاب أوفى منه مع زوجاتها ـ وذهب إلى مطبخ الشقة، حيث تخير السكين الملائم للإجهاز على ضحيته، ووجد ضالته المنشودة في سكين يبلغ طول نصله 4 سم، ثم عاد إلى ضحيته ونظر إليها، وتخير مواضع الطعن بعناية، وهي مواضع لا بد أن تكون قاتلة حتى يتحقق قصده في إزهاق روح المجني عليها.
وانتفض كالثور الهائج ينفذ خطته، وتوجه بسرعة خاطفة إلى حيث ترقد المجني عليها، وأحدث بها إصابات متعددة، حتى باغتها بضربة قوية استقرت بعنقها، وأدت إلى قطع الأوعية الدموية الرئيسية، ولم يستطع أحد إخراج تلك السكين سوى الطب الشرعي.
وبعد أن تأكد المتهم أنه أجهز على المجني عليها، وأن روحها صعدت إلى ربها تشتكي إليه ظلم العباد، وأن الأرض أشرقت بنور ربها، جلس مرة أخرى في هدوء وروية، رابط الجأش، غير نادم على فعلته وغير عابئ بما قدم.
فاتصل بشقيقه ناصر مصطفى علي عبده عبدالعزيز، وأخبره بأنه قتل زوجته المجني عليها، فسارع الأخير بالاتصال بنجل المتهم، ويدعى سيد بدوي مصطفى علي، وأخبره بما حدثه به المتهم، فقام بالنزول من فوره إلى شقة المتهم والده، والمجني عليها والدته، وطرق الباب، وبعد برهة فتح له المتهم باب الشقة، فنظر إلى صالة الشقة حيث أبصر والدته المجني عليها ممدة والسكين في رقبتها، وهنا أكد له المتهم أنه هو الذي أجهز عليها وقتلها.
كما حضرت زوجة الابن المذكور وتدعى نورا خالد جمعة، وعقب دخولها إلى الشقة، مسرح الجريمة، شاهدت المجني عليها ممدة قتيلة والسكين مغروسًا في رقبتها.
وأكدت التحريات التي أجراها النقيب أحمد محمد جمعة عبدالكريم، معاون مباحث قسم شرطة الطالبية، أن تحرياته السرية أكدت أن المتهم كان قد انتوى قتل المجني عليها بسبب الخلافات الزوجية المستعرة بينهما، وأنه من متعاطي المواد المخدرة، بينما كانت المجني عليها حسنة السمعة بالمنطقة.
وأثبتت معاينة النيابة العامة لجثة المجني عليها أنها كانت مسجاة على ظهرها بصالة الشقة، وكانت ترتدي قميص نوم، دون ملابس داخلية، وبها إصابات متعددة.
كما أثبت تقرير مصلحة الطب الشرعي أن الإصابات المشار إليها إصابات حيوية حديثة ناتجة عن آلة حادة «سكين»، وأن الوفاة تُعزى إلى الإصابات وما أحدثته من قطوع بالأوعية الدموية الرئيسية وقطوع بنسيج الطحال، مما أدى إلى نزيف غزير وهبوط حاد بالدورة الدموية، وحدوث صدمة نزفية غير مرتجعة.
وأقر المتهم بتحقيقات النيابة بأنه بتاريخ وساعة الحادث، وبعد أن عاشر المجني عليها معاشرة الأزواج وتركها تخلد إلى النوم، انتظر حتى دخلت في سبات عميق، ثم استقرت في عقله وقلبه فكرة التخلص منها، وظل يفكر في ذلك من الساعة الثالثة فجرًا وحتى الرابعة والنصف صباحًا من يوم 4/7/2025، وبعد أن استقرت الفكرة لديه، نفذ ما عقد العزم عليه باستخدام السلاح المشار إليه.





