ads
الخميس 04 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

د. غانم السعيد يكتب: بين الإعلام واللغة العربية.. رجال

خلف الحدث

لم يكن الأستاذ الدكتور محمد المحرصاوي ـ رحمه الله ـ يستشيرني في أي عمل يسنده لي ، ولم أكن أنا ممن ينتظرون تفسيرًا أو تبريرًا؛ فقد كنت أعدُّ قراره تكليفًا يُشَرّف، وثقةً تُلزم، وأمانةً يجب أن تُؤدَّى على خير وجه.
وحين صدر قرار تكليفي عميدًا لكلية الإعلام، لم يخطر ببالي ـ ولو للحظة ـ ما قد يخطر ببال غيري من مخاوف أو حساسيات؛ فأنا لست من أبناء الكلية المنتسبين إليها تخصصًا، ومن المعتاد في مثل هذه الأحوال أن تنشأ بعض التوترات أو المشكلات، لكن قلبي كان مطمئنًا، ونفسي ساكنة؛ لأن كلية الإعلام قبل استقلالها كانت قسمًا من أقسام كلية اللغة العربية، وكان معظم أساتذتها زملاء أعزاء جمعتني بهم سنوات طويلة من الود والمحبة والاحترام، فضلًا عن أن أعضاء الهيئة المعاونة ـ وكانوا كثرة ـ كانوا بمنزلة الأبناء لي، وقد شعرت منهم منذ اللحظة الأولى بصدق البنوة، كما شعروا مني بصدق الأبوة.
ومنذ اليوم الأول لتحملي المسؤولية، تحولت الكلية إلى ورشة عمل لا تهدأ؛ نشاط علمي وإداري يمتد من أول النهار إلى آخره، وعشنا معًا ثلاثة أعوام حافلة بالعطاء والإنجاز، حتى استطاعت الكلية أن تفرض مكانتها بين كليات الإعلام في مصر والعالم العربي.
ويكفي فخرًا أن مجلة الكلية حصلت على تقييم المجلس الأعلى للجامعات من أول تقدم لها، في حين لم تحصل بعض المجلات الأعرق على ذلك التقييم آنذاك. وكان وراء هذا الإنجاز فريق مخلص من شباب الكلية، بذلوا جهدًا استثنائيًا؛ قراءةً وتلخيصًا وترجمةً ومراجعةً، لأكثر من خمسة وعشرين سنة،كانت المجلة تصدر في العام مرتين وفي كل عدد ثلاثة مجلدات على الأقل.
وبينما كنت أعيش مع زملائي نجاحات متعددة في مجالات البنية التحية والتي كنت أتمنى  استمرارها، فوجئت- كالعادة- بقرار تكليفي عميدًا لكلية اللغة العربية بالقاهرة.
وهنا… اضطرب القلب، وتوترت الأعصاب، وأخذت الأسئلة تطوف بعقلي في قلق وهيبة: أأنا الذي سأجلس على كرسي جلس عليه كبار العلماء والأدباء، أمثال الدكتور حسن جاد، ومحمد نايل والدكتور عبد اللطيف خليف، والدكتور سعد ظلام، والدكتور علي صبح، والدكتور طه أبو كريشة، والدكتور محمد الخطيب، والدكتور إبراهيم الهدهد، والدكتور محمد المحرصاوي، وقبلهم الجبالي وحمروش؟! أأنا الذي سأقود كليةً خرّجت كثيرا من رؤساء الجامعة، ووزراء وأعلامًا كانوا ـ وما زالوا ـ حراسًا أوفياء لتراث العربية الخالد؟!
ثم كان السؤال الأثقل على النفس: ماذا سأضيف إلى هذه الكلية العتيقة في عام واحد فقط، قبل أن أُحال إلى التقاعد؟!
لقد شرد الفكر طويلًا، ثم استعنت بالله، ومضيت.
وفي أول يوم دخلت فيه الكلية، استقبلني بكل الحب والمودة الزميلان العزيزان الوكيلان الأستاذ الدكتور صلاح عاشور، والأستاذ الدكتور محمد المليجي، فهدأت نفسي، وشعرت أنني عدت إلى بيتي الحقيقي. ثم توالت كلمات التهنئة الصادقة من الأساتذة  والهيئة المعاونة والموظفين والعاملين، فامتلأ القلب طمأنينة ومحبة.
ثم جاء وقت العمل…
وكان في يقيني أن كلية اللغة العربية تملك من الإمكانات والطاقات ما يجعلها قادرة على تحقيق أضعاف ما تحقق في كلية الإعلام؛ بما لها من مكانة، وما يحيط بها من محبة أبنائها ودعم المخلصين من خريجيها ومحبيها.
وأخذت أبحث عمّن يحمل معي هذا الحلم، حتى ساق الله إليّ واحدًا من أنبل رجال الكلية وأكفئهم: الأستاذ محمد عبد الله علام؛ رئيس شئون الموظفين بالكلية، وهو رجل إذا استعصت أي مشكلة وجد لها حلًّا، وإذا وُجد العمل وُجد معه الإخلاص والانضباط والحزم.
تلاقت القلوب قبل أن تتلاقى الأفكار، ووثقت فيه ثقة كاملة، وعرضت عليه ما أطمح إلى إنجازه في تلك المدة القصيرة، فعاهدني أن يكون معي كظلي، بل إنه سيسبقني إلى التنفيذ.
فكانت البداية بإنشاء قاعة اجتماعات كبرى تليق بمكانة الكلية، ثم إنشاء صالون ثقافي يعبّر عن تاريخها وريادتها، 
ومركز إعلامي له مقره وله رئيسه وهيكله التنظيمي، وقد شهد افتتاحهم عدد كبير من قيادات الجامعة وعلى رأسهم رئيس الجامعة.
ثم جاءت فكرة تطوير مكتب العميد، والخروج به من النمط التقليدي الجامد، ليصبح مكانًا يليق بتاريخ الكلية وهيبتها. ثم اتجه التفكير إلى تجميل مدخل الكلية بالزهور والنباتات العطرية، وإنشاء مقاعد رخامية يستريح إليها الطلاب في أوقات فراغهم.
كما تم تفعيل مجالس تقريب التراث واستقطاب عدد من شيوخ تخصصات العربية من أساتذة الكلية والكليات الأخرى وحظيت بإقبال شديد من طلاب العلم والباحثين في مصر والعالمين العربي والإسلامي.
غير أن الحلم الأكبر الذي كان يراودني ويؤرقني صباح مساء، هو عقد مؤتمر دولي يليق بأمِّ الكليات، تلك الكلية التي خرّجت أجيالًا من العلماء، بينما كانت الكليات التي تفرعت عنها قد سبقتها إلى عقد المؤتمرات.
وحين طُرح عنوان المؤتمر للنقاش، كان الفضل في اختيار عنوانه الجامع المانع للأستاذ الدكتور إبراهيم الهدهد ـ أعزه الله ـ بعنوان: «التراث والحداثة في اللغة والتاريخ… مثاقفة واختلاف».
ومنذ اللحظة التي تحدد فيها عنوان المؤتمر وموعد انعقاده، تحولت الكلية كلها إلى خلية نحل؛ شيوخ الكلية، وشباب المدرسين، وأعضاء الهيئة المعاونة، والموظفون… الجميع يعمل بروح واحدة، وكان الأستاذ محمد عبد الله علام هو الجندي المجهول في هذا الجهد العظيم؛ فكثيرًا ما كان يبيت في الكلية، ولا يغادرها إلا ليعود إليها.
وكنا في البداية نتساءل: كيف سنقيم مؤتمرًا دوليًا يليق بأقدم كلية في الجامعة؟ لكن الإخلاص إذا حضر، سخّر الله له القلوب والأسباب؛ فتدفقت العطايا، وتوالت المساندات، حتى خرج المؤتمر في أبهى صورة، وأكرم حُلّة، بما يليق بتاريخ الكلية ومكانتها.
فكل التحية والتقدير والامتنان لكل من أسهم في هذا النجاح، ولكل قلب أحب هذه الكلية العريقة، وأخلص لها، وعمل من أجل رفعتها ومجدها.

تم نسخ الرابط