ads
الخميس 04 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

بمناسبة ذكرى وفاة العالم الجليل والإنسان النبيل الأستاذ الدكتور محمد زكي أبو عامر، أعيد نشر ما كتبته عن سيرته العلمية.

ذكريات قانونية
محمد زكي أبو عامر
الفقيه الكبير: من الشهرة إلى العزلة الاختيارية

كثيرٌ من رجال القانون خاضوا ميدان السياسة، ورغم ما أضفته السياسة عليهم من تأثيرٍ سلبي في كثير من الأحيان، وجعلتهم عرضةً للنقد، إلا أن كثيرًا منهم احتفظ بمكانته الفقهية، وقام بدورٍ ملموسٍ في تطور الفكر القانوني، منهم مثلًا الأساتذة الكبار: عبد الرزاق السنهوري، وكامل مرسي، وأحمد فتحي سرور، وفوزية عبد الستار، ومفيد شهاب. ومنهم أيضًا الفقيه الكبير المرحوم محمد زكي أبو عامر، الذي نخصص له هذا المنشور.

وقد ترددت كثيرًا قبل كتابة المنشور نظرًا لضخامة المعلومات والمادة العلمية، بل والأوراق الشخصية، التي تكفي لكتابٍ كاملٍ عن الفقيه الكبير؛ إلا أن ما لا يُدرك كلُّه لا يُترك كلُّه، فكتبنا هذا المنشور، ونعتذر للقارئ مسبقًا عن طوله.

وُلد فقيهنا الكبير بمحافظة الغربية في 13/3/1946، وتخرج في كلية الحقوق جامعة الإسكندرية بتقدير جيد جدًا مع مرتبة الشرف عام 1967.

 وقتها أجرى الإذاعي الكبير فهمي عمر لقاءً إذاعيًا في برنامج «مجلة الهواء» معه ومع محمد رفعت عبد الوهاب (الذي أصبح فيما بعد فقيه القانون العام الشهير)، ومحمد السعيد الدقاق (الذي أصبح فيما بعد فقيه القانون الدولي العام الشهير)، وكان اللقاء مع ثلاثتهم باعتبارهم من نوابغ خريجي كلية الحقوق.

وعُيّن أبو عامر معيدًا بكلية الحقوق جامعة الإسكندرية في ذات عام تخرجه، وفي العامين التاليين للتخرج حصل أبو عامر على دبلومي القانون العام (بتقدير ممتاز)، والقانون الخاص (بتقدير جيد جدًا) من جامعة الإسكندرية، واستعد لبدء رحلة الدكتوراه تحت إشراف العلامة الكبير الدكتور رمسيس بهنام.

وحدث بينهما خلاف كبير شهير، وانتقل الإشراف إلى العلامة الدكتور حسن صادق المرصفاوي، وسافر أبو عامر بعدها إلى فرنسا لتجميع المادة العلمية، فلم ترق له فرنسا، ولم ترق له اللغة الفرنسية.

وتحت يدي خطابٌ طويل بخط يده إلى أحد كبار فقهاء القانون، كتبه وهو في فرنسا، يحكي عن تجربته فيها، وهو خطاب يفيض بلاغةً ورقةً وعذوبةً وإنسانية. 

ولعل من أهم ما جاء في هذا الخطاب أنه قال إن العلامة رمسيس بهنام سافر في رحلة سريعة إلى فرنسا، فحرص أبو عامر على أن يستقبله في المطار، فما كان من رمسيس بهنام إلا أن استقبله بالأحضان، ونسيا تمامًا خلافهما الكبير، وتصافت النفوس.

وعاد بعد ذلك أبو عامر إلى مصر، وناقش رسالته للدكتوراه عام 1974 عن «شائبة الخطأ في الحكم الجنائي»، وحصل على أعلى تقدير تمنحه الجامعات وقتها، وهو جيد جدًا مع مرتبة الشرف والتبادل مع الجامعات الأخرى.

تدرج الفقيه الكبير في التدريس بكلية الحقوق مدرسًا، ثم أستاذًا مساعدًا، ثم أستاذًا، ورئيسًا لقسم القانون الجنائي، ووكيلًا لكلية الحقوق، إلى أن انتُخب عميدًا لكلية الحقوق بجامعة الإسكندرية في 8/9/1991.

وللفقيه الكبير مؤلفات وأبحاث عديدة، منها:

1/ شائبة الخطأ في الحكم الجنائي ونظرية الطعن فيه.

2/ علم الإجرام والعقاب.

3/ قانون العقوبات – القسم العام.

4/ قانون العقوبات – القسم الخاص.

5/ قانون الإجراءات الجنائية.

6/ الإثبات في المواد الجنائية.

7/ الحماية الإجرائية للموظف العام.

8/ الحماية الجنائية للعرض في التشريعات المعاصرة.

9/ الحماية الجنائية للحرية الشخصية.

10/ القيود القضائية على حرية القاضي الجنائي في الإقناع.

11/ المسؤولية الجنائية للطبيب.

وفي لقاءٍ شهير جمع الرئيس السابق محمد حسني مبارك مع أساتذة جامعة الإسكندرية، وعُقد اللقاء بكلية الهندسة، كان محمد زكي أبو عامر أحد المتحدثين فيه، وأُعجب به مبارك وقتها إعجابًا كبيرًا. 

ويبدو أنه قد قرر وقتها أن يختاره وزيرًا، لكنه أراد أن يتمرس في معترك السياسة أولًا، فعينه أمينًا عامًا للحزب الوطني الديمقراطي لمحافظة الإسكندرية في 4/5/1992، ثم عضوًا بمجلس الشورى بتاريخ 24/6/1992، ثم عُيّن بعد ذلك وزيرًا للدولة لشؤون مجلسي الشعب والشورى في 14/10/1993 في حكومة الأستاذ الدكتور عاطف صدقي، واستمر فيها في حكومة الدكتور كمال الجنزوري، ثم نُقل في ذات الحكومة وزيرًا للدولة للتنمية الإدارية في 8/7/1997، واستمر فيها في حكومة عاطف عبيد إلى أن تقدمت باستقالتها في 14/7/2004.

ومما يُؤثَر عن الفقيه الكبير أثناء فترة عمادته للكلية أنه ما من أحد ذهب إليه في مظلمة إلا وخرج من عنده مبتسمًا وقد حُلَّت له مشكلته، حتى داعبه البعض قائلين إنه يدير كلية الحقوق بمنطق الإدارة بالحب.

ومما يُؤثَر عنه في عمله السياسي أنه كان طاهر اليد، نزيهًا، عفَّ اللسان، فلم تشُبْه شائبة كما شابت الكثيرين من مسؤولي نظام مبارك وقتها. 

وقد حاول أحد الصحفيين توريطه بتصريح نقله عنه، وهو أن حالة البلد لا تسمح بإصلاح سياسي، فتسبَّب ذلك في غضب مبارك ومَن حوله.

وذهب الصحفي معتذرًا لأبي عامر في مكتبه، فقال له أبو عامر: «قدر الله وما شاء فعل! لكن أقول لك: أنا لم أسعَ إلى الوزارة، اسأل عني أساتذة جامعة الإسكندرية، وبالأخص في كلية الحقوق، واسأل الطلاب: أنا كنت أمارس الإدارة في الكلية بالحب».

كان الفقيه الكبير متزوجًا من السيدة وجدان، وهي ابنة الشاعر الغنائي الكبير مرسي جميل عزيز. ومرضت مرضًا شديدًا في أواخر أيامها، فصاحبها في رحلة العلاج إلى الخارج، وعندما توفيت عاد منعزلًا وحيدًا في بيته في مدينة الإسكندرية، بعد أن ترك المسرح السياسي، وبعد أن تركته رفيقة العمر، فزاد ذلك من عزلته الإرادية، التي لم يقطعها سوى حرصه الشديد على حضور محاضراته للطلاب، وعلى بيع كتبه للطلاب بسعرٍ مدعوم تخفيفًا عن كاهلهم.

 وقد زاد من عزلته الجحود الذي لاقاه من بعض تلامذته.

وحدث موقف زاد من حدة الجحود الأكاديمي ورغبة الانعزال عند الفقيه الكبير، والموقف يرويه الصديق الكريم والأستاذ الجليل الدكتور سليمان عبد المنعم.

 وقد حدث بمناسبة احتفال جامعة الإسكندرية بعيد تأسيسها الخامس والسبعين، حينما تمت دعوته لحضور الاحتفالية بوصفه السابق كوزير وعميد، ووصفه الحالي كأحد أساتذتها الكبار.

وبعد جلوسه بدقائق، ولسببٍ لم يعرفه أو يفهمه أحد، جاء أحد منظمي الاحتفالية طالبًا منه تغيير مقعده والانتقال إلى الصف الرابع الخلفي، فما كان منه إلا أن حمل عصاه وغادر «المولد» كله كالفارس الأبي دون أن ينطق بكلمة واحدة!

ومضى المشهد دون أن يتحرك أحد أو يحاول مسؤول تقديم اعتذارٍ لاحقٍ إليه. 

والمثير للدهشة والأسى أن تكريم كبار الأساتذة كان يفترض أن يكون بندًا في هذه الاحتفالية.

وقد توفي الفقيه الكبير في 31 مايو 2019، بعد حياة علمية وسياسية حافلة، رحمه الله رحمةً واسعةً، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عن العلم وأهله خير الجزاء.

تم نسخ الرابط