في موازين الرقي الإنساني، كانت الهيبة دوما تستمد من رجاحة العقل ودماثة الخلق وعمق الأثر، إلا أننا نعيش اليوم زمنا اختلت فيه بعض الموازين، وبرزت ظواهر دخيلة تقتات على حب الظهور واستعراض القوة؛ وعلى رأسها التوسع المبالغ في استئجار "البودي جاردات" من قبل فئات لا تفرض طبيعة عملها أي تهديد، بل تفرضها الرغبة في "المنظرة" والوجاهة الاجتماعية الزائفة.
لقد تحولت الحراسات الخاصة لدى أولئك الذين يحاولون اصطناع مكانة اجتماعية لا يملكون جذورا فيها، فيتخذون من الحشود والحرس درعا يوهمهم بالعظمة، من ضرورة أمنية إلى "إكسسوار" مكمل للمظاهر؛ فلم يعد الهدف هو تأمين الشخصية من خطر محدق، بل إحاطتها بهالة من الغموض والأهمية المصطنعة. هذا المشهد، الذي يعتمد على أجساد ضخمة وحواجز بشرية في أماكن عامة أو احتفالات اجتماعية، ليس إلا محاولة بائسة لادعاء نفوذ زائف عبر ترهيب الآخرين أو إشعارهم بالدونية.
والمفارقة الصارخة تكمن في المقارنة بين مسلك رجال الدولة الحقيقيين وبين اللاهثين خلف بريق اجتماعي زائف لتعويض غياب القيمة الذاتية؛ ففي الوقت الذي نجد فيه مسؤولين رفيعي المستوى، ممن تفرض عليهم البروتوكولات الأمنية حراسة إلزامية، يسعون جاهدين لتخفيف هذه المظاهر في تحركاتهم، بل ويتحركون أحيانا بمفردهم بساطة وتواضعا وحرصا على مشاعر الناس وعدم إزعاجهم، نجد في المقابل من ينساق وراء مظاهر التباهي يحيط نفسه بجيش من الحراس في محفل عام، في مشهد يخلو من الكياسة ويمتلئ بالاستفزاز.
إن هذه الظاهرة لا تمثل اعتداء على المساحات العامة فحسب، بل هي اعتداء على "الأصول" والعادات والتقاليد الأصيلة التي تربينا عليها، والتي تحض على التواضع وتعتبر "كسر الخواطر" واستفزاز مشاعر الناس بالتباهي بالقوة والمال أمرا معيبا. فحين يندفع الحراس لشق الطريق لشخصية ما، مسببين الفوضى أو الإزعاج للعائلات، فإنهم يغتالون الروح الإنسانية في التعامل، ويستبدلونها بقيم مادية جافة تجعل من كرامة الناس مجرد وسيلة للفت الأنظار.
إن الحماية الحقيقية هي التي يصنعها الإنسان بمواقفه النبيلة وتواضعه بين أبناء وطنه، ومهما بلغت براعة "البودي جاردات"، فإنها لا تستطيع حماية سمعة اهتزت بسبب الغرور، ولا سيرة لوثها الاستعلاء. ويبقى الدرس الأسمى الذي يقدمه كبار القوم بتواضعهم هو أن القيمة ليست في من يمنع الناس من الوصول إليك، بل في مدى قدرتك أنت على الوصول إلى قلوب الناس بنبلك وأصلك.
