ads
الخميس 02 يوليو 2026
رئيس مجلس الإدارة
نهى عمر
رئيس التحرير
محمد الطوخي

ليست كل استقالة من وظيفة حدثًا إداريًا عابرًا، فبعض الاستقالات تتحول إلى وثيقة اتهام لواقع اختلت موازينه، وإلى صرخة مدوية تستوجب التوقف أمامها طويلًا. ومن هذا النوع استقالة الدكتورة إيمان أحمد السيد، عضو هيئة التدريس، التي أعلنت أن الظروف الاقتصادية التي يعيشها الأستاذ الجامعي لم تعد تحتمل، وأن الاستمرار في أداء الرسالة العلمية أصبح يصطدم بواقع معيشي بالغ القسوة.
ولئن كانت الاستقالة قد صدرت من أستاذة بجامعة الأزهر، فإن الأسباب التي ساقتها لا تخص الأزهر وحده، وإنما تمثل – بدرجات متفاوتة – واقعًا يعيشه معظم أعضاء هيئة التدريس في الجامعات المصرية. فهي ليست شكوى فردية، ولا حالة استثنائية، وإنما تعبير عن أزمة ممتدة تستحق أن تُناقش بجدية بعيدًا عن التهوين أو المبالغة.
لقد كان الهدف من إنشاء الكادر الخاص لأعضاء هيئة التدريس أن يوفر للأستاذ الجامعي دخلًا كريمًا يحرره من هموم الحياة اليومية، فيتفرغ للتدريس والبحث العلمي والتأليف والإبداع، فالدول التي تؤمن بأن التعليم هو قاطرة التنمية تدرك أن الاستثمار الحقيقي يبدأ من الأستاذ الجامعي، لأنه هو الذي يصنع الطبيب والمهندس والقاضي والمعلم والباحث، ويؤسس لعقول تقود الوطن إلى المستقبل.
غير أن الواقع يسير في اتجاه مغاير تمامًا. فلقد فقد الراتب الجامعي قيمته الشرائية إلى حد أصبح معه كثير من الأساتذة عاجزين عن الوفاء بأبسط متطلبات أسرهم، حتى غدا الأستاذ الجامعي، الذي كان يومًا رمزًا للاستقرار المادي، واحدًا من أكثر فئات المجتمع معاناة في مواجهة أعباء الحياة المتزايدة.
أما ما استحدثته الدولة خلال السنوات الماضية من بدلات وزيادات تحت مسميات مختلفة، فقد ظل بعيدًا عن تحقيق الغاية المرجوة. فهذه المبالغ ليست جزءًا من الراتب الأساسي، ولا يمكن الاعتماد عليها في إدارة شؤون الأسرة، فضلًا عن أن صرفها يخضع لإجراءات وموافقات إدارية متعددة، وقد يتأخر أشهرًا، وربما عامًا أو أكثر، حتى أصبحت بالنسبة لكثيرين مجرد أرقام في الأوراق، لا حضور لها في واقع الحياة.
ولا تختلف الحال بالنسبة للمكافآت المقررة للتصحيح، وتحكيم البحوث، ومناقشة الرسائل العلمية، وبدلات السفر؛ إذ لا تزال قيمتها محكومة بلوائح وُضعت قبل عقود طويلة، حين كانت قيمة العملة مختلفة، وتكاليف الحياة أقل كثيرًا مما هي عليه اليوم. ثم تأتي الضرائب والاستقطاعات لتنتقص منها، فلا يبقى منها ما يمكن أن يحدث فارقًا حقيقيًا في حياة الأستاذ الجامعي.
ومن المفارقات المؤلمة أن من يطالع مفردات مرتب عضو هيئة التدريس قد يتصور أنه يتقاضى دخلًا كبيرًا، لكثرة البنود وتعدد المسميات، بينما تكشف الحقيقة أن معظمها مبالغ محدودة فقدت قيمتها مع تغير الظروف الاقتصادية. وهكذا يعيش الأستاذ الجامعي في مفارقة قاسية؛ يحظى باحترام المجتمع وتقديره العلمي، بينما يعاني في صمت من ضيق ذات اليد، ويجد نفسه عاجزًا أحيانًا عن الوفاء بما تمليه عليه مسؤولياته تجاه أسرته ومن حوله.
ولا يزال بعض المسؤولين أسرى صورة قديمة للأستاذ الجامعي، تقوم على الاعتقاد بأن الكتاب الجامعي يمثل مصدرًا كبيرًا للدخل، وهي صورة ربما كانت لها وجاهتها في زمن مضى، أما اليوم، وبعد التحول الواسع إلى المقررات الإلكترونية، وتراجع عائد الكتاب الجامعي، فلم يعد لهذا التصور وجود في الواقع، وبقيت الأحكام القديمة تحكم واقعًا جديدًا مختلفًا تمامًا.
إن أخطر ما في استقالة الدكتورة إيمان أنها لا تعبر عن أزمة شخص، وإنما تكشف أزمة منظومة. فالجامعة لا تقوم على المباني، ولا على اللوائح، وإنما تقوم أولًا على الأستاذ الجامعي. وإذا اضطر هذا الأستاذ إلى أن ينشغل بتدبير ضروريات الحياة أكثر من انشغاله بالبحث والإبداع، فإن الخاسر الحقيقي لن يكون الأستاذ وحده، بل ستكون الجامعة، ثم المجتمع، ثم الدولة بأسرها.
إن الرسالة التي تحملها هذه الاستقالة ينبغي ألا تُقرأ باعتبارها موقفًا فرديًا، بل باعتبارها جرس إنذار يدعو إلى مراجعة جادة لأوضاع أعضاء هيئة التدريس، وإعادة بناء منظومة الأجور والحوافز بما يحقق الاستقرار المادي، ويحفظ للأستاذ الجامعي كرامته، ويعينه على أداء رسالته.
فالأمم لا تنهض إلا بعلمائها، ولا يزدهر البحث العلمي في بيئة يعاني فيها الباحث من ضيق العيش. وإذا أردنا جامعة قوية، وتعليمًا قادرًا على المنافسة، وبحثًا علميًا يصنع المستقبل، فإن البداية الحقيقية تكون من إنصاف الأستاذ الجامعي، فهو ليس موظفًا يؤدي عملًا روتينيًا، وإنما هو صانع العقول، وحارس الهوية، وأحد أهم أعمدة النهضة الوطنية

تم نسخ الرابط