ads
الإثنين 29 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

كثير من الناس لا يرون من القضية إلا مشهد العقوبة، فتتحرك عواطفهم نحو الجاني، وتمتلئ نفوسهم رأفة وشفقة به، فيعلنون تعاطفهم معه وشفقتهم عليه، بينما يغيب عن أذهانهم ما سبق ذلك من جرائم وانتهاكات ألحقها بضحاياه، من سب وقذف، وتشهير وسخرية، وخوض في الأعراض، واعتداء على الكرامات، وإيذاء نفسي ومعنوي قد يظل أثره في النفوس لا يندمل لسنوات طويلة.

وهنا يختل ميزان النظر؛ إذ يُنظر إلى العقوبة مجردة من أسبابها، وإلى الجاني منفصلًا عن جرائمه مع أنهم عاشوا وتابعوا جرائم المجرم حين وقوعها، وكأن ما وقع عليه من جزاء قد نزل به ابتداءً لا نتيجةً لما اقترفته يداه أو نطق به لسانه.

ولذلك جاء القرآن الكريم حاسمًا في تقرير مبدأ العدل، فقال سبحانه: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾، ثم لم يكتفِ بالنهي عن الرأفة التي تعطل إقامة الحق أو تضعف تنفيذ العقوبة، بل ربط الامتثال لهذا الحكم بأصل الإيمان بالله واليوم الآخر، فقال: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾.

وكأن الآية الكريمة تشير إلى أن الإيمان الحق ليس مجرد عاطفة مجردة، وإنما هو خضوع لأمر الله، وتسليم لحكمه، وانتصار للعدل الذي شرعه، ولو خالف ذلك ما تستدعيه العاطفة العابرة من شفقة أو رأفة في غير موضعها. فحين تتحول الرأفة إلى وسيلة لتعطيل الحق، أو إلى ستار يحجب حقوق المظلومين، فإنها لا تكون فضيلة، بل تصبح عدوانًا على العدل نفسه.

الإنصاف يقتضي تذكر حق المظلوم قبل التعاطف مع الجاني

ومن المؤسف أن يقع بعض الناس- ومنهم كثير من العلماء- في هذا الخلل، فيتعاطفون مع الجاني بعد نزول العقوبة به، وينسون ما ارتكبه من أذى، وما خلفه من جراح في نفوس ضحاياه، مع أن الإنصاف يقتضي أن يُنظر إلى القضية كاملة، لا إلى فصلها الأخير فقط.

فالعدل يقتضي أن نتذكر الجريمة حين ننظر إلى العقوبة، وأن نستحضر حق المظلوم قبل أن نسترسل في التعاطف مع الظالم، وأن نمتثل لأمر الله القائل: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا﴾

تم نسخ الرابط