بدر عبد العاطي: إعلان النوايا مع فرنسا خطوة استراتيجية لمواجهة تحديات الهجرة
في خطوة هامة تعكس عمق العلاقات الثنائية وتطور الشراكة الاستراتيجية بين البلدين، شهد الدكتور بدر عبد العاطي، وزير الخارجية والهجرة وشئون المصريين بالخارج، اليوم الاثنين، مراسم التوقيع على إعلان النوايا المشترك بين مصر والجمهورية الفرنسية للتعاون في مجال الهجرة، وذلك في إطار جهود الدولة المصرية الرامية إلى تعزيز التعاون الدولي في القضايا ذات الاهتمام المشترك.
يأتي هذا التوقيع تتويجاً لمسار طويل من التنسيق الوثيق بين القاهرة وباريس، وتفعيلاً للبنود الاستراتيجية التي تم إطلاقها خلال زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون التاريخية إلى مصر في أبريل 2025.
حيث يمثل هذا الإعلان محطة مفصلية في تعميق التفاهم المتبادل حول كيفية التعامل مع التحديات الإقليمية والدولية المرتبطة بظاهرة الهجرة، بما يحفظ أمن الدول ويصون كرامة المهاجرين.

مقاربة شاملة لمعالجة الأسباب الجذرية للهجرة
أكد الدكتور بدر عبد العاطي في كلمته خلال مراسم التوقيع أن المقاربة المصرية الفرنسية لا تنحصر فقط في الحلول الأمنية أو إدارة الحدود ومكافحة الهجرة غير النظامية، بل تتسع لتشمل نظرة شاملة تعالج الجذور الاقتصادية والاجتماعية التي تدفع الشباب لاتخاذ قرار الهجرة، مشدداً على أن تحقيق الاستقرار المستدام يتطلب الاستثمار في الإنسان وتوفير البدائل التنموية الحقيقية في دول المصدر.
ثمن الوزير التزام الجانب الفرنسي الواضح بدعم الجهود المصرية في مجالات التعليم العالي والتدريب المهني وتنمية المهارات، معتبراً أن هذه المسارات هي المفتاح الفعلي للحد من دوافع الهجرة غير الشرعية، حيث تمنح الشباب مهارات تنافسية تؤهلهم لسوق العمل المحلي والدولي، مما يحول طاقاتهم من طموحات محفوفة بالمخاطر في عرض البحر إلى فرص منتجة تخدم اقتصادات بلدانهم.
التزامات مصر الدولية وتحديات استضافة اللاجئين
استعرض وزير الخارجية خلال كلمته الأعباء الجسيمة التي تتحملها الدولة المصرية في ظل استقبالها لأعداد كبيرة من اللاجئين وطالبي اللجوء من مختلف دول الجوار، مؤكداً أن مصر لم تكتفِ بتوفير الملاذ الآمن لهم، بل عملت على دمجهم في الخدمات العامة الوطنية، وهو ما يفرض ضغوطاً متزايدة على الموارد والمرافق العامة، مما يستوجب تضامناً دولياً أوسع وتقاسماً عادلاً لهذه الأعباء.
أشار الوزير بوضوح إلى نجاح التجربة الوطنية المصرية التي أثبتت كفاءة استثنائية في مكافحة الهجرة غير الشرعية وتهريب المهاجرين، حيث نجحت الأجهزة المعنية في منع انطلاق أي مراكب هجرة غير شرعية من السواحل المصرية نحو أوروبا طوال السنوات الماضية، وذلك بفضل اليقظة الأمنية والمتابعة الميدانية الدقيقة، وهو ما يعزز من مكانة مصر كشريك دولي فاعل وموثوق في تحقيق الاستقرار الإقليمي.
رؤية مستقبلية لتعزيز الشراكة الاستراتيجية
يمثل إعلان النوايا الموقع اليوم قاعدة صلبة للانطلاق نحو برامج تعاون فني وتقني أكثر تخصصاً، حيث تسعى مصر وفرنسا إلى تحويل هذه التفاهمات إلى مشاريع ملموسة على أرض الواقع، من خلال تبادل الخبرات في إدارة ملفات الهجرة القانونية، وتطوير آليات التوظيف الموسمية، وخلق منصات حوار مستدامة بين القطاعات المهنية في البلدين لضمان تدفق عمالي منظم ومستقر.
تؤمن الدولة المصرية أن التعاون مع الجانب الفرنسي في هذا المجال يمثل نموذجاً يمكن البناء عليه في علاقات مصر مع الاتحاد الأوروبي.
حيث ترتكز الرؤية المصرية على أن الأمن الإقليمي هو كل لا يتجزأ، وأن أمن الشواطئ الأوروبية يبدأ من تحقيق التنمية والاستقرار في دول ضفتي المتوسط، وهو ما يتطلب تنسيقاً سياسياً عالياً وموارد مالية ولوجستية تدعم جهود الدولة المصرية في التنمية ومكافحة الهجرة.
يؤكد هذا الحدث على الدور المحوري الذي تلعبه وزارة الخارجية والهجرة وشئون المصريين بالخارج في قيادة الدبلوماسية المصرية نحو تحقيق التوازن بين حماية المصالح الوطنية وبين الوفاء بالالتزامات الدولية، خاصة في ملفات حساسة كملف الهجرة، حيث أثبتت مصر أنها ليست مجرد دولة ممر أو مقصد للمهاجرين، بل هي دولة رائدة تضع قيم الإنسانية والتنمية في مقدمة أولويات أجندتها السياسية.
في ختام المراسم، أعرب الجانبان عن تطلعهما لمتابعة تنفيذ بنود هذا الإعلان من خلال لجان فنية مشتركة، تضع الجداول الزمنية والمستهدفات الدقيقة لكل قطاع من قطاعات التعاون، مع التأكيد على أن الشراكة المصرية الفرنسية ستظل ركيزة للاستقرار في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ودافعاً قوياً لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية التي تخدم طموحات الشعبين وتضمن مستقبلاً أفضل للأجيال القادمة.