لم تعد الرياضة في العصر الحديث مجرد منافسة بين لاعبينتهدف إلى تحقيق الفوز والحصول على كأس البطولة، وإنما أصبحت ظاهرة قانونية وسياسية وثقافية تتجاوز كثيراً حدود المباريات الدائرة بين اللاعبين، لتصبح إحدى أدوات القوة الناعمة للدول. فالدولة في العصر الحديث تُعرَّف ليس فقط بما تملكه من قوة مادية، وإنما ايضاً بما تملكه من قدرة على التأثير والإقناع وبناء جسور التواصل مع الشعوب.
ومن هذا المنطلق، أصبح القانون الرياضي الدولي أحد فروع القانون الحديثة التي تعكس هذا التحول، فهو لم يعد يهتم بتنظيم المسابقات واللوائح فقط، بل أصبح ينظم علاقة الرياضة بالدولة والمجتمع الدولي، ويحكم العديد من القضايا المتعلقة بحقوق الدول في تنظيم المسابقات الدولية، وحقوقها في المشاركة في المسابقات الرياضية العالمية، وكذلك موانع تنظيم البطولات والمشاركة فيها، وحقوق المنتخبات التابعة لها عند الفوز بالبطولات وحقوق انصار الفرق الرياضية في التشجيع والتعبير عن فرحتهم ودعمهم للمنتخبات الوطنية، وموانع حضورهم المباريات، وكذلك استقلال الهيئات الرياضية، وتسوية المنازعات الرياضية، وضمان العدالة داخل المجال الرياضي.
وتكشف البطولات العالمية الكبرى، وعلى رأسها كأس العالم، عن الدور المتزايد للرياضة باعتبارها أداة للدبلوماسية. فحين يشارك منتخب وطني في محفل دولي، فإنه لا يمثل مؤسسة رياضية فحسب، بل يحمل معه صورة الدولة، وثقافتها وتاريخها وقيمها. ومن هنا يصبح الأداء الرياضي جزءً من الحضور الدولي للدولة، وأحد مظاهر قوتها الناعمة.
ويظهر ذلك بوضوح في حالة مصر، حيث لا تتوقف أهمية مشاركة المنتخب المصري في البطولات العالمية عند حدود المنافسة الرياضية، فهذه قراءة سطحية لتأثير مشاركة منتخب مصر في كأس العالم، وإنما تمتد إلى موضوعات ومظاهر عدة ومن أهمها على الإطلاق مظهر التعبير عن مكانة مصر في الوجدان العربي. فالدعم الذي تحظى به مصر من الجماهير العربية يعكس أن الرياضة يمكن أن تكون مساحة للتقارب الشعبي، وأن الروابط التاريخية والثقافية الراسخة بين الشعوبوالممتدة عبر عقود من الزمن، قد تجد في الرياضة وسيلة جديدة للتعبير عنها.
فقد حدثني اليوم أحد الأخوة المواطنين من دولة عربية شقيقة، عند الحديث عن المنافسة التاريخية اليوم بين مصر والأرجنتينفي كأس العالم، حيث قال لي أني أحب الاعب الأرجنتيني ميسي وأحب أن اشاهده في البطولة، ولكن الدم العربي يدفعني إلى أن أدعم المنتخب المصري بكل قوة اليوم.
إن محبة الشعوب العربية لمصر وتشجيعها لإنجازاتها الرياضية لا يمثل مجرد موقف عاطفي، بل يعكس الحب العميق لمصر في قلوب الشعوب العربية، وقوة تأثير ناعمة تشكلت عبر التاريخ والحضارة والثقافة والإنجاز، فالنفوذ الحقيقي للدول لا يُقاس فقط بقدرتها على فرض إرادتها، وإنما بقدرتها على كسب احترام الآخرين وثقتهم.
ومن الناحية القانونية، فإن هذا الدور المتنامي للرياضة يفرض النظر إليها باعتبارها جزءً من منظومة العلاقات الدولية الحديثة. فالقواعد الرياضية أصبحت ذات طبيعة عابرة للحدود، والقرارات الصادرة عن الهيئات الرياضية الدولية تؤثر في مراكز قانونية واقتصادية ورياضية على مستوى العالم، وهو ما جعل القانون الرياضي مجالاً يتقاطع مع التشريعات الدولية.
وفي النهاية، فإن الرياضة أصبحت لغة دولية تتجاوز الحدود، وأصبح القانون الرياضي هو الإطار الذي يحمي هذه اللغة ويضمن عدالتها. وأن كل إنجاز رياضي يحقق لا يمثل فوزاًفي مباراة فقط، بل يمثل نجاحاً في بناء صورة الدولة وتعزيز مكانتها. فالانتصار الحقيقي في عصر القوة الناعمة هو أن تربح الدولة احترام العالم قبل أن تربح أي بطولة.







