ads
الخميس 04 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

مبادئ ترسيها جنايات دمنهور: إعمال حق الصمت وبطلان الاستجواب الإيحائي وعدم الاعتداد بالتحقيق دون محامٍ

المستشار سامح عبد
المستشار سامح عبد الله

في حيثيات قضائية كاشفة ترسخ لمبادئ جوهرية في العدالة الجنائية، أرست محكمة جنايات دمنهور عددًا من القواعد المهمة، مؤكدة أن المشروعية الإجرائية هي أساس الإدانة، وأن أي دليل ينتزع خارج هذا الإطار يفقد قيمته القانونية، ولو تضمن إقرارًا صريحًا من المتهم. 
وشددت المحكمة على أن الاعتراف لا يُعتد به إلا إذا صدر أمام القضاء، وأن ما يرد بالتحقيقات يظل مجرد إقرار يخضع لتقديرها، خاصة إذا شابه إنكار لاحق.

 كما أكدت بطلان الاستجوابات التي تتضمن أسئلة إيحائية أو إيقاعية تنتزع إجابات لا تعبر عن إرادة حرة، إلى جانب تأكيدها أن حالة التلبس لا تُفترض ولا تُصطنع بل تقوم على مظاهر واقعية يقينية.

ولم تقف المحكمة عند هذا الحد، بل أولت أهمية خاصة لضمانات الدفاع، وفي مقدمتها وجوب حضور محامٍ مع المتهم أثناء الاستجواب، معتبرة أن الإخلال بهذه الضمانة لا يُغتفر إلا ببذل جهد حقيقي لإعمالها، لا مجرد إجراءات شكلية. كما أرست مبدأ متقدمًا بجواز إعمال نصوص قانونية لم تدخل حيز التنفيذ متى كانت تحمل طابعًا موضوعيًا يكفل حقوق المتهم، وعلى رأسها حق الصمت.

وانتهت المحكمة إلى أن البراءة رغم إقرار المتهم لا تعني تفضيل شخصه، وإنما تعكس التزام القضاء بأن يكون الدليل وليد إجراءات مشروعة، مؤكدة أن الحقيقة القضائية لا تُبنى إلا على أسس قانونية صحيحة تكفل التوازن بين حق الدولة في العقاب وحق الفرد في محاكمة عادلة.

محكمة جنايات كفر الدوار: الاعتراف خارج مجلس القضاء لا يُعتد به

قالت المحكمة في حيثيات حكمها برئاسة القاضي سامح عبد الله وعضوية القاضيين أحمد خضر و أحمد خليل و مصطفى الرفاعي، في القضية رقم ١٥٨٢٣ لسنة ٢٠٢٥ جنايات قسم كفر الدوار، والمقيدة برقم ٢٤٠٣ لسنة ٢٠٢٥ كلي شمال دمنهور، بعد تلاوة أمر الإحالة وسماع طلبات النيابة العامة والمرافعة الشفوية والاطلاع على الأوراق والمداولة قانونًا:

حيث إن النيابة العامة اتهمت/ ... لأنه في يوم ١٠/١٠/٢٠٢٥ بدائرة قسم كفر الدوار/ محافظة البحيرة:

أحرز بقصد التعاطي جوهرًا مخدرًا (هيروين) في غير الأحوال المصرح بها قانونًا.

وطلبت عقابه بالمواد ١، ٢، ٣٧/١/٤٢ من القانون ١٨٢ لسنة ١٩٦١ المعدل، والبند رقم (٢) من القسم الأول -أ- من الجدول رقم (١) الملحق بالقانون الأول والمستبدل بقرار رئيس هيئة الدواء المصرية رقم ٦٠٠ لسنة ٢٠٢٣، وركنت في إسنادها إلى ما شهد به شاهد الإثبات وما ثبت من تقرير المعمل الكيماوي.

فقد شهد نقيب/ ... أنه حال مروره الأمني بدائرة اختصاصه أبصر المتهم يقف بجانب الطريق ممسكًا "سرنجة" يقوم بحقن نفسه، فتمكن من القبض عليه وانتزاع "السرنجة" من يده، وقد تبين أن بداخلها مادة حمراء يُشتبه أن تكون خليطًا بجوهر الهيروين، وبتفتيشه عثر معه على "سرنجة" بلاستيكية بداخلها مادة بيج اللون، كما عثر معه على كيسين بلاستيكيين آخرين، وبفض أحدهما تبين أن بداخله خمس أمبولات بلاستيكية بداخل كل منها مادة سائلة، كما عثر على جزء من لفافة سلوفانية غير مكتملة الشكل.

وحيث إنه ثبت من تقرير المعمل الكيماوي أن حقنتين مما ضُبطتا تحتويان على جوهر الهيروين المخدر المدرج بجدول المخدرات، وأن اللفافة السلوفانية تحتوي على آثار لذات المخدر.

بينما ثبت من تقرير الإدارة المركزية للمعامل الكيماوية بمصلحة الطب الشرعي أن عينتي الدم والبول المأخوذتين من المتهم لا تحتويان على أي أثر لمواد مخدرة، ومن بينها جوهر الهيروين المخدر.

وحيث إنه باستجواب المتهم بتحقيقات النيابة العامة أقر بأنه يتعاطى المواد المخدرة منذ خمس عشرة سنة، ثم راح يفصل ذلك ردًا على أسئلة المحقق على النحو الذي جاءت عليه التحقيقات.

وحيث إنه بجلسة المحاكمة حضر المتهم دون محامٍ، منكرًا التهمة المنسوبة إليه، فانتدبت له المحكمة مدافعًا، فطلب براءته مما نسب إليه من اتهام تأسيسًا على انتفاء حالة التلبس، وعدم معقولية تصوير الواقعة لسلبية عينتي الدم والبول المأخوذتين من المتهم.

وحيث إن المحكمة، بعد أن محصت الدعوى وأحاطت بظروفها وبأدلة الثبوت التي قام عليها الاتهام عن بصر وبصيرة، ترى أن الأدلة التي ركنت إليها النيابة العامة للتدليل على صحة الاتهام قِبل المتهم قد جاءت قاصرة عن بلوغ حد الكفاية، لإدراك هذا القصور، وآية ذلك:

أن المحكمة لا تطمئن إلى الصورة التي جاء بها ضابط الواقعة، وقد حاول فيها أن يُلبسها ثوب الشرعية الإجرائية لكي تبدو الأوراق وكأنها تشكل حالة تلبس بالجريمة تبيح القبض على المتهم وتفتيشه دون إذنٍ من النيابة العامة، وهو ما أخفق فيه؛ ذلك أن التلبس كحالة واقعية تتشكل من مجموعة من المظاهر الخارجية التي تدل بذاتها على أن هناك جريمة تقع أو بالكاد قد وقعت، ولقد استقر قضاء محكمة النقض على أن تقدير كفاية تلك المظاهر الخارجية الدالة بذاتها على قيام حالة التلبس أمر موكول لمأمور الضبط القضائي تحت رقابة محكمة الموضوع،

الأمر الذي يكون معه لمحكمة الموضوع سلطة تقدير صحة ما سطره ضابط الواقعة بالأوراق، وعما إذا كان ذلك يشكل صورة حقيقية لإحدى حالات التلبس المنصوص عليها في المادة (٣٠) من قانون الإجراءات الجنائية على سبيل الحصر أم لا.

 

والمحكمة، إعمالًا لهذا الحق، لا تطمئن إلى أن ما سطره ضابط الواقعة يشكل حالة تلبس بالجريمة؛ إذ ليس من المتصور عقلًا أن تأتي حالة التلبس على هذا النحو، بأن يقف المتهم بالطريق العام يحقن نفسه بمادة مخدرة، وكأنه يدعو ضابط الواقعة أو الكافة إلى القبض عليه أو اقتياده إلى أقرب مأمور ضبط قضائي.

كما أن المحكمة لا تطمئن إلى حقيقة إدراك ضابط الواقعة لطبيعة المادة، وما إذا كانت تحتوي على مواد مخدرة من عدمه، والإدراك يمثل الحالة الأولى من حالات التلبس بالجريمة.

يعضد من ذلك أن تقرير الإدارة المركزية للمعامل الطبية بقطاع الطب الشرعي قد جاء بسلبية عينتي الدم والبول المأخوذتين من المتهم، مما يُلقي ظلالًا كثيفة من الشك على تصوير الواقعة بذاتها.

وأما بشأن ما جاء بالتحقيقات من إقرار المتهم التفصيلي بتعاطيه المواد المخدرة، فإن المحكمة - وطالما أن هذا الإقرار يشكل طبقًا للقواعد العامة دليلًا مستقلًا بذاته - تقول فيه الآتي:

أولًا: أن المتهم قد أنكر ما جاء بإقراره عند مثوله بجلسة المحاكمة، والمعول عليه في الاعتراف أن يكون في مجلس القضاء، وما دون ذلك فهو إقرار ليس أكثر، والمحكمة من ثم لا تعتد بهذا الإقرار الذي أعقبه إنكار بمجلس القضاء.

ثانيًا: أن المحكمة لا تطمئن إلى الدليل الناتج عن استجواب المتهم بالتحقيقات، والذي راح يسرد فيه وقائع تتجاوز بكثير الواقعة المنسوبة إليه بشأن قصته مع تعاطي المواد المخدرة منذ خمس عشرة سنة وحتى ضبطه، ولم يكن مطلوبًا منه ذلك، لولا أنه وُجهت إليه أسئلة تعدها المحكمة، أخذًا بسلطتها التقديرية، "إيحائية".

فالاستجواب، وهو من أهم إجراءات التحقيق، يجب أن يكون بمنأى - ومع كل التقدير لمسعى المحقق لاستجلاء الحقيقة - عن توجيه أسئلة "إيقاعية أو إيحائية"، بتعبير الأستاذ الدكتور أحمد فتحي سرور في مؤلفه "الإجراءات الجنائية". فلا يكاد يدور الاستجواب إلا حول أمر واحد، فحواه:
"منذ متى وأنت تتعاطى المواد المخدرة"
"حدد لنا كيفية بدأك في تعاطي المواد المخدرة"
"حدد لنا كيفية تعاطيك المواد المخدرة"
"صف لنا كيفية تعاطيك للمواد المخدرة عن طريق السرنجات والحقن الطبية"
"ولماذا تحديدًا هذا المحلول"
إلى آخره.

وحسنًا ما صنع قانون الإجراءات الجنائية الجديد رقم ١٧٤ لسنة ٢٠٢٥، والذي وصفت محكمة النقض إحدى مواده، المادة (٢٢) - والخاصة بإثبات تصالح ورثة المجني عليه أو وكيلهم الخاص بشأن الجرائم المنصوص عليها بعجز المادة - بأنها تقرر قاعدة موضوعية بالنظر إلى طبيعتها، على الرغم من أن ظاهرها إجرائي، وأجرت النص على واقعة مطروحة أمامها قبل دخول القانون حيز التطبيق الفعلي في أول أكتوبر من هذا العام، وهو ما تصنعه هذه المحكمة أيضًا بشأن المادة (١٠٤) من القانون المذكور، وهو القانون الذي سنته الدولة تحقيقًا لغايتين: حقها في العقاب، وحق المتهم بأن يُحاط بحقوقه كتابةً من قبل المحقق، ومن أجلها الاتصال بذويه ومحاميه، وذلك بعد تنبيهه إلى أن من حقه الصمت دون أن يُعد ذلك قرينة على إدانته.

كما أن المحكمة تشدد على أن ما تضمنه قانون الإجراءات الجنائية من ضرورة حضور محامٍ مع المتهم أثناء إجراءات التحقيق، وهو ما نصت عليه المادة (١٢٤) من القانون المذكور بقولها: "لا يجوز للمحقق في الجنايات، وفي الجنح المعاقب عليها بالحبس وجوبًا، استجواب المتهم أو مواجهته بغيره من المتهمين أو الشهود إلا بعد دعوة محاميه للحضور، عدا حالة التلبس وحالة السرعة بسبب الخوف من ضياع الأدلة، على النحو الذي يثبته في المحضر".

والمشرع، أخذًا من النص، شدد على هذا الحضور، وليس أدل على ذلك من صياغة المادة التي بدأت بعبارة: "لا يجوز". 

وأما عن الاستثناء الذي وضعته المادة بشأن حضور محامي المتهم في حالة التلبس وحالة السرعة بسبب الخوف من ضياع الأدلة، فهو معقود على تحقق شرطين: أولهما أن تتحقق مقتضيات هذه الضرورة، وثانيهما أن يبذل المحقق قصارى جهده لتحقيق غاية النص بدعوة محامي المتهم جلسة الاستجواب، وهو ما يعني بالضرورة ألا تقتصر هذه الدعوة على مجرد عبارة: "حيث قمنا بإرسال مندوبنا إلى غرفة المحامين لانتداب المحامي الحاضر، وعاد مندوبنا وأفاد بعدم رغبة أحد في الحضور"، وذلك حتى لا تُفرغ الضمانة التي قررها المشرع في حضور محامٍ مع المتهم من جوهرها ومبتغاها الذي قصده وشدد على تحققه.

والمحكمة، وهي بهذا الصدد، تنوه على أنه يجب أن توضع آلية لحضور محامٍ مع المتهم جلسة الاستجواب، على غرار ما هو متبع بشأن المحاكمات في مواد الجنايات أو قريبًا منها، وباعتبار أن حضور محامي المتهم بجلسة المحاكمة في مواد الجنايات من النظام العام.

كما تنوه أيضًا، وهي في سياق صياغة أسباب البراءة في هذا الحكم، رغم إقرار المتهم بتاريخه في تعاطي المواد المخدرة، أنها لا تعني من ذلك رفع شأن الأخير بذاته على ما وقع من إجراءات كان المحقق يسعى حثيثًا، وبقصدٍ حسن، نحو استظهار الحقيقة فيها، وإنما يعنيها في المقام الأول أن تُرسخ مبدأً، وهو أن الحقيقة الواقعية يجب أن تأتي من باب المشروعية الإجرائية، وإلا باتت غير صالحة لإقامة التهمة قبل المتهم وإنزال عقوبتها به.

الأمر الذي تخلص معه المحكمة، ومن جماع ما تقدم، وعملاً بالمادة ٣٠٤/١ من قانون الإجراءات الجنائية، ببراءة المتهم مما نُسب إليه من اتهام، ومصادرة المضبوطات.

تم نسخ الرابط