ads
الثلاثاء 14 يوليو 2026
رئيس التحرير
محمد الطوخي

 لم تكن أحكام القضاء المصري عَبر تاريخه مجرد فصل في خصومة أو تطبيق لنصوص القانون، بل امتدَّ أثر بعضها إلى الحياة السياسية نفسها، حتى انتهى أحدها إلى أزمة وزارية أطاحت بحكومة كاملة، في واحدة من أبرز الوقائع التي كشفت قوة الكلمة القضائية حين تَصدر مستقلة، لا تعبأ إلا بالقانون.

       ومن أشهر هذه الوقائع، قضية مأمور البداري التي نظرتها محكمة النقض برئاسة عبد العزيز فهمي باشا، وأصدرت حكمها فيها في الثاني من ديسمبر سنة 1932، وهو الحكم الذي فجِّر أزمة سياسية انتهت بعد أسابيع باستقالة وزارة إسماعيل صدقي باشا.

       وتعود وقائع القضية إلى ما تعرَّض له اثنان من أهالي مركز البَداري بمحافظة أسيوط من أبشع صور التعذيب والإهانة على يد مأمور المركز يوسف الشافعي أفندي، بالضرب المتكرر، وقص الشارب، والربط في إصطبل الخيل، والإلجام بحبل من الليف، وإجبارهما على التَسمِّي بأسماء النساء، فضلاً عن الاعتداء على عِرضهما، وهو ما دفعهما إلى عقد العزم على قتل المأمور، فكمنا له في طريق عودته، وأطلقا عليه النار، فأردياه قتيلًا، وأصابا مرافقه فهيم أفندي نصيف، مفتش الرَّي.

       وقضت محكمة جنايات أسيوط بإعدام أحدهما، ومعاقبة الآخر بالأشغال الشاقة المؤبدة، بعد أن رأت توافر ظرفي سبق الإصرار والترصد، وهما ظرفان يكفي توافر أحدهما للحكم بالإعدام.

       وعندما عُرض الطعن على محكمة النقض، وقفت المحكمة أمام ظروف الجريمة لا لتُبررها، وإنما لتزنها بميزان القانون. فرأت أن ما ارتكبه المأمور في حق المتهمَين لا يترك للنفس سكونًا يسمح بالتفكير الهادئ المتروي الذي يقوم عليه ظرف سبق الإصرار، ووصفت تلك الأفعال بأنها "إجرامٌ في إجرام"، وقالت في حيثياتها الخالدة:

       "إن ذلك الذي أوذي واهتيج ظلمًا وطغيانًا، وينتظر أن يتجدد إيقاع هذا الأذى الفظيع به، لا شك أنه إذا اتجهت نفسه إلى قتل معذبه، فإنها تتجه إلى هذا الجرم موتورةً مما كان، منزعجةً مما سيكون، والنفس الموتورة المنزعجة هي نفس هائجة أبدًا، لا يدع انزعاجها سبيلًا لها إلى التبصر والسكون حتى يُحكِّم العقل فيما تتجه إليه الإرادة."

       وانتهت المحكمة إلى انتفاء ظرف سبق الإصرار، لكنها رفضت الطعن؛ لأن ظرف الترصد ظل قائمًا، وهو وحده يكفي قانونًا لتأييد عقوبة الإعدام، فقالت عبارتها الشهيرة:

       "وحيث إنه لجميع ما تقدم، لا ترى هذه المحكمة، في احترامها للقانون، سوى رفض الطعن على مَضَض."

       غير أن أثر الحكم لم يتوقف عند حدود الدعوى الجنائية.

       فقد أحدثت حيثياته دويًا سياسيًا واسعًا، إذ عُدّت إدانة صريحة لما وقع من تجاوزات بعض رجال الإدارة، فانقسمَت الحكومة حول كيفية التعامل مع آثار الحكم. وأصدر علي ماهر باشا، وزير الحقانية، تعليماته بمعاملة المحكوم عليهما معاملة المحكوم عليهم العاديين، كما تقرر فتح التحقيق مع رجال الإدارة في مركز البداري. ثم انتقلت القضية إلى البرلمان، حيث وُجهت الأسئلة إلى الحكومة، وتصاعد الخلاف داخل الوزارة نفسها، حتى انتهى الأمر بتقديم إسماعيل صدقي باشا استقالة وزارته، معللًا ذلك بما أصابها من وَهن حال دون استمرارها في أداء واجبها، ثم أعيد تشكيل الوزارة بعد خروج عدد من الوزراء منها.

       وهكذا بَرهنَ القضاء المصري، وسيظل يُبرهن، أن استقلال القاضي ليس ضمانة للمتقاضين وحدهم، بل ضمانة للدولة نفسها. فقد تنتهي كلمة القضاء بحَسم خصومة، وقد تمتد آثارها إلى الحياة العامة بأسرها، لا لأن القضاء يبتغي ذلك، وإنما لأنه لا يعرف إلا طريقًا واحدًا: التطبيق المجرد للقانون.

تم نسخ الرابط