نتنياهو إلى واشنطن وسط انتقادات دولية غير مسبوقة لسياسته
يستعد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو للتوجه إلى واشنطن يوم السبت المقبل في زيارة محاطة بالكثير من التساؤلات السياسية، حيث تأتي هذه الرحلة في ظل ظروف إقليمية ودولية معقدة تتسم بزيادة الانتقادات الموجهة لسياساته.
وبينما تشير التقارير العبرية، ومنها ما نشرته صحيفة "يديعوت أحرونوت"، إلى أن الزيارة تهدف رسمياً لحضور جنازة السيناتور الراحل ليندسي غراهام، إلا أن الأوساط السياسية تترقب ما وراء هذا التحرك من أهداف مرتبطة بمستقبل إدارة الصراع ولقاءات محتملة مع الإدارة الأمريكية.

تأتي هذه الزيارة في وقت يواجه فيه نتنياهو ضغوطاً غير مسبوقة، سواء من الداخل الإسرائيلي الذي يشهد انقسامات حادة حول طريقة إدارته للحرب والملفات السياسية، أو من المجتمع الدولي الذي بات ينظر إلى قراراته كعامل رئيسي في تعقيد الأزمات الإقليمية.
إن هذه الرحلة إلى العاصمة الأمريكية تُعتبر محاولة لتثبيت مواقفه أمام واشنطن، خاصة في ظل تقارير تفيد بعدم تحديد موعد رسمي حتى الآن للقاء الرئيس دونالد ترامب، مما يفتح الباب للتكهنات حول مدى الدعم الذي لا يزال يحظى به رئيس الوزراء الإسرائيلي في أروقة صنع القرار الأمريكي.
ليندسي غراهام: رحيل حليف وأثر سياسي يتركه خلفه
لقد كان السيناتور الجمهوري الراحل ليندسي غراهام، الذي وافته المنية عن عمر ناهز 71 عاماً بعد مسيرة سياسية امتدت لثلاثة عقود، أحد أبرز الشخصيات التي ربطتها علاقات قوية ومعقدة مع مختلف الأطراف السياسية.
وبوفاته، يفقد نتنياهو وجهاً كان يعتبره دائماً صوتاً داعماً لمواقفه داخل مجلس الشيوخ الأمريكي، مما يجعل من مشاركة رئيس الوزراء الإسرائيلي في الجنازة محاولة لترميم العلاقات والظهور بمظهر الحليف الوفي الذي يحفظ الود لقوى الضغط المؤثرة داخل الحزب الجمهوري.
إن التاريخ السياسي لغراهام كان مليئاً بالجدل والتأثير، حيث لعب دوراً محورياً في رسم ملامح السياسة الخارجية الأمريكية لسنوات طويلة، وهو ما يفسر حرص نتنياهو على استثمار هذا الحدث الجنائزي ليكون منصة سياسية له. وبغض النظر عن طبيعة الحدث، يسعى نتنياهو من خلال هذا الحضور إلى إيصال رسائل سياسية غير مباشرة، مؤكداً استمرارية تحالفاته وتجاوزه للأزمات التي تحاصره، رغم أن الكثير من المحللين يرون في هذا التحرك مجرد "مناورة" للتغطية على تراجع شعبيته وتزايد حدة المعارضة لسياسته في إسرائيل.
نتنياهو في قفص الاتهام: سياسات تزيد من تأجيج الصراعات
لا يمكن قراءة زيارة نتنياهو لواشنطن دون العودة إلى سجل سياساته التي أثارت انتقادات حادة على مستوى العالم، حيث يتهمه معارضوه بتعطيل أي أفق للحلول السياسية والتركيز على البقاء في السلطة عبر إطالة أمد الحروب.
إن القرارات التي اتخذها نتنياهو خلال الفترة الماضية أدت إلى عزلة دبلوماسية متزايدة لإسرائيل، مما جعل حتى أقرب حلفائه يشعرون بالقلق من تبعات سياساته المتشددة التي لا تخدم استقرار المنطقة بل تزيد من تفاقم المآسي الإنسانية والأمنية.
ويؤكد العديد من المراقبين أن الزيارة تأتي في وقت تعاني فيه إسرائيل من أزمة ثقة حقيقية تجاه قيادتها، إذ يعتقد قطاع عريض من الجمهور الإسرائيلي أن نتنياهو يستخدم الأجندة الخارجية واللقاءات الدولية كوسيلة لتشتيت الانتباه عن إخفاقاته الداخلية وتجنب المساءلة القانونية التي تلاحقه.
إن استمرار نتنياهو في نهجه التصادمي يغلق جميع أبواب التسوية، ويضع المجتمع الدولي أمام تحديات صعبة في التعامل مع حكومة متطرفة لا تعترف بالقرارات الأممية أو الحقوق الأساسية للأطراف الأخرى في المنطقة.
في ظل عدم وجود موعد مؤكد للقاء الرئيس ترامب، تظل حالة الترقب هي السمة الغالبة على المشهد، حيث تتطلع الأنظار لمعرفة ما إذا كانت واشنطن ستستمر في تقديم "شيكات على بياض" لسياسات نتنياهو أم ستتخذ موقفاً مغايراً يتناسب مع المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة. إن الزيارة بحد ذاتها تمثل اختباراً لقوة نتنياهو في التلاعب بالأوراق السياسية، وتجربة لمدى قدرته على الاستمرار في فرض أجندته رغم الانتقادات اللاذعة التي باتت تُسمع علناً داخل الولايات المتحدة نفسها.
بينما يراهن نتنياهو على أن هذه الرحلة ستمنحه غطاءً سياسياً وقوة دفع إضافية، إلا أن الواقع يشير إلى أن أي لقاءات سيعقدها لن تمحو الانتقادات الموجهة لسجله الحافل بالانقسامات والقرارات التي أدت إلى زعزعة الأمن الإقليمي. يبقى السؤال الجوهري هو ما إذا كان البيت الأبيض سيقبل بدور المتفرج على سياسات نتنياهو التصعيدية، أم ستكون الزيارة فرصة للضغط من أجل تغيير المسار، وهو أمر يراه المحللون بعيد المنال في ظل التركيبة السياسية الحالية التي يقودها نتنياهو.
مع توجهه إلى واشنطن، يدرك نتنياهو أن هذا السفر لن ينهي أزماته الداخلية أو يغطي على سجل انتهاكاته التي باتت توثقها التقارير الدولية بشكل يومي.
إن رحلته هذه هي تعبير عن ضيق الخيارات السياسية، ومحاولة أخيرة للتشبث بمركز القرار الدولي، بينما تنهار من تحته أسس القيادة التي كان يدعي امتلاكها لسنوات. سيبقى نتنياهو في نظر خصومه والمجتمع الدولي شخصية جدلية، تسببت في إطالة أمد الأزمات بدلاً من تقديم الحلول، مما يجعل مستقبله السياسي على المحك، ليس فقط في واشنطن، بل في إسرائيل نفسها التي تنتظر بفارغ الصبر مرحلة ما بعد هذه الحقبة المتأزمة.