ماء الشرب تحت المجهر.. علماء يحلون لغزًا كيميائيًا استمر أكثر من 30 عامًا
شهد ملف ماء الشرب تطورًا علميًا جديدًا بعدما نجح فريق دولي من الباحثين في فك أحد أكثر الألغاز الكيميائية التي حيّرت العلماء لعقود، وذلك بعد تحديد هوية مركب مجهول ظل يظهر داخل بعض أنظمة معالجة مياه الشرب لأكثر من ثلاثين عامًا دون أن يتمكن أحد من التعرف على تركيبه أو تفسير كيفية تكوّنه.
ويُعد هذا الاكتشاف خطوة مهمة في مجال سلامة ماء الشرب وجودة المياه، خاصة أنه يفتح الباب أمام إجراء دراسات جديدة لتقييم تأثير هذا المركب على صحة الإنسان والبيئة، رغم تأكيد الباحثين حتى الآن عدم وجود أدلة علمية تثبت خطورته عند المستويات التي تم رصدها.
لغز استمر أكثر من ثلاثة عقود
بدأت القصة منذ سنوات طويلة، عندما لاحظ علماء متخصصون في معالجة ماء الشرب وجود خلل بسيط في توازن بعض المركبات الكيميائية أثناء عمليات التطهير، حيث كانت كميات من عنصر النيتروجين تختفي دون تفسير واضح.
ورغم تطور تقنيات تحليل المياه خلال العقود الماضية، فإن العلماء لم يتمكنوا من تحديد المادة المسؤولة عن هذا الاختفاء، وظلت هوية المركب مجهولة، ليصبح واحدًا من أبرز الألغاز في مجال كيمياء مياه الشرب.
ومع استمرار الأبحاث، تمكن فريق علمي أخيرًا من تصنيع المركب داخل المختبر، ثم عزله وتحليله باستخدام تقنيات حديثة ومتطورة، وهو ما أدى إلى الكشف عن تركيبه الكيميائي للمرة الأولى.
الكشف عن المركب الكيميائي
أوضحت الدراسة، التي نُشرت في مجلة Science العلمية، أن المادة الغامضة هي مركب يعرف باسم أنيون الكلورونيتراميد.
ويتكون هذا المركب أثناء استخدام مادة الكلورامين في عمليات تعقيم ماء الشرب، وهي المادة التي تعتمد عليها العديد من محطات تنقية المياه، خاصة في الولايات المتحدة وعدد من الدول، باعتبارها بديلًا للكلور التقليدي.
وأشار الباحثون إلى أن الكلورامين يستخدم على نطاق واسع لما يتمتع به من قدرة على الحفاظ على جودة المياه داخل شبكات التوزيع لفترات أطول مقارنة بالكلور، إلا أن عمليات التفاعل الكيميائي المصاحبة له قد تؤدي إلى تكوين بعض المركبات الثانوية.
لماذا يستخدم الكلورامين؟
تعتمد محطات معالجة ماء الشرب على مواد مطهرة للقضاء على البكتيريا والفيروسات والكائنات الدقيقة الضارة التي قد تنتقل عبر المياه.
ويعتبر الكلورامين من أكثر المواد استخدامًا في هذا المجال، حيث يتم إنتاجه من خلال دمج الكلور مع الأمونيا، وهو ما يمنحه قدرة على الاستمرار داخل شبكات المياه لفترة طويلة.
وتساعد هذه الخاصية في الحفاظ على جودة مياه الشرب حتى وصولها إلى المنازل، إلا أن التفاعلات الكيميائية الناتجة عنه ظلت محل اهتمام الباحثين لسنوات طويلة.
تركيزات المركب في مياه الشرب
بعد التعرف على المركب، أجرى الباحثون سلسلة من الاختبارات على عدد من عينات ماء الشرب القادمة من أنظمة مختلفة.
وأظهرت النتائج أن تركيز المركب وصل في بعض العينات إلى نحو 100 ميكروجرام لكل لتر، بينما جاءت غالبية العينات بمستويات أقل من الحدود التنظيمية الخاصة بنواتج تعقيم المياه.
وأكد الباحثون أن وجود المركب لا يعني بالضرورة وجود خطر مباشر، خاصة أن الكميات المرصودة لا تزال تقع ضمن الحدود التي تسمح بها اللوائح الخاصة بجودة مياه الشرب.
هل يشكل خطرًا على الإنسان؟
رغم أهمية الاكتشاف، شدد الفريق العلمي على أن الدراسات الحالية لم تثبت وجود تأثيرات صحية خطيرة ناتجة عن هذا المركب.
وأوضح الباحثون أن الأبحاث لم تتضمن حتى الآن اختبارات سمية مباشرة على البشر أو الحيوانات، وبالتالي لا يمكن إصدار أحكام نهائية بشأن تأثيره الصحي.
وأشارت النماذج الأولية المستخدمة في الدراسة إلى أن المركب قد يكون منخفض السمية، إلا أن العلماء أكدوا الحاجة إلى إجراء المزيد من الدراسات المخبرية قبل الوصول إلى نتائج نهائية.
تعليق الخبراء
علق البروفيسور أوليفر جونز، أستاذ الكيمياء في معهد ملبورن الملكي للتكنولوجيا، على نتائج الدراسة، موضحًا أن أهمية الاكتشاف لا تكمن في ظهور مركب جديد داخل ماء الشرب، وإنما في التعرف على مادة كانت موجودة بالفعل منذ سنوات طويلة دون معرفة هويتها.
وأشار إلى أن الخطوة التالية تتمثل في دراسة التأثير الصحي لهذا المركب، ومعرفة ما إذا كان وجوده بالمستويات الحالية داخل مياه الشرب قد يمثل أي مخاطر مستقبلية.
وأكد أن العلم لا يزال بحاجة إلى مزيد من البيانات قبل إصدار أي توصيات جديدة تتعلق باستخدام الكلورامين أو طرق معالجة المياه.
أهمية الدراسة
يرى الباحثون أن تحديد هوية المركب يمثل إنجازًا علميًا مهمًا، لأنه يساعد على فهم التفاعلات الكيميائية التي تحدث أثناء عمليات تعقيم ماء الشرب.
كما يسهم الاكتشاف في تطوير وسائل مراقبة جودة المياه، وإضافة المركب الجديد إلى قائمة المواد التي يمكن متابعتها مستقبلاً داخل محطات المعالجة.
وأوضح الفريق أن معرفة هوية المركب تمنح الباحثين فرصة لإجراء دراسات أكثر دقة حول خصائصه الكيميائية، وطريقة تكوينه، وإمكانية الحد من إنتاجه إذا أثبتت الدراسات المستقبلية وجود أي تأثيرات صحية.
حدود الدراسة
لفت الباحثون إلى أن الدراسة اعتمدت على تحليل 40 عينة فقط من مياه الشرب، وهو عدد لا يمثل جميع شبكات المياه حول العالم.
وأوضحوا أن النتائج الحالية تعكس وجود المركب في عدد محدود من الأنظمة، بينما قد تختلف نسب ظهوره من منطقة إلى أخرى وفقًا لطبيعة عمليات المعالجة ونوعية المياه المستخدمة.
ولهذا السبب، أوصى الفريق بإجراء دراسات أوسع تشمل عددًا أكبر من محطات ماء الشرب في دول مختلفة، من أجل رسم صورة أكثر دقة حول انتشار المركب.
مستقبل أبحاث مياه الشرب
يرى المتخصصون أن هذا الاكتشاف قد يمثل بداية مرحلة جديدة في دراسة نواتج تعقيم ماء الشرب، حيث أصبح بالإمكان متابعة المركب الجديد وتحليل تأثيراته المحتملة بصورة أكثر دقة.
كما قد يدفع الاكتشاف الجهات المختصة إلى تطوير تقنيات جديدة لرصد المركبات الثانوية داخل المياه، بما يضمن استمرار تحسين جودة مياه الشرب حول العالم.
وأكد الباحثون أن الهدف الأساسي من هذه الدراسات ليس إثارة القلق، وإنما تعزيز المعرفة العلمية، وضمان استمرار توفير مياه آمنة للمستهلكين وفق أعلى المعايير الصحية.
وفي الوقت الحالي، لا توجد توصيات تدعو إلى تغيير طرق معالجة ماء الشرب أو التوقف عن استخدام الكلورامين، لكن المجتمع العلمي يتطلع إلى نتائج الدراسات المستقبلية التي ستحدد بصورة أوضح مدى تأثير هذا المركب على الإنسان والبيئة.