في الوقت الذي كانت فيه أوروبا تحاكم "الساحرات" وتحرق الكتب، كانت القاهرة الفاطمية في مطلع القرن الحادي عشر الميلادي تدار بيد امرأة.
لم تتوج على عرش، ولم يخطب لها على المنابر، لكن لمدة ثلاثة عقود كان توقيعها نافذاً، ورأيها قانوناً، وبيت مالها خزينة للدولة.
إنها "السيدة الجليلة ست الملك"، التي تعمد التاريخ إسقاط اسمها من السردية الرسمية.
من جارية إلى "صاحبة التدبير
وُلدت ست الملك في أواخر القرن العاشر، وأُهديت جارية إلى الخليفة الفاطمي العزيز بالله. وبذكاء سياسي نادر، استطاعت أن تتبوأ مكانة داخل القصر.
وعندما توفي أخوها الخليفة "الحاكم بأمر الله" عام 1021م في ظروف غامضة، لم تندفع للسلطة مباشرة.
قدمت ابن أخيها "الظاهر لإعزاز دين الله" ليجلس على العرش، وتولت هي مقاليد الحكم الفعلية بلقب "صاحبة التدبير".
كان هذا اللقب يعني في لغة العصر: رئيسة الوزراء.
كل المراسيم والتعيينات والقرارات العسكرية والاقتصادية كانت تمر عليها أولاً.
يقول المؤرخ المقريزي: "وكان الأمر والنهي لها، والتدبير راجع إليها".
ثلاث قرارات أنقذت مصر
جاءت ست الملك إلى الحكم والبلاد تعاني من فوضى عسكرية ومجاعة خانقة.
فاتخذت ثلاث قرارات حاسمة:
ضبط السوق ومحاربة الاحتكار
وصل سعر إردب القمح إلى 90 ديناراً.
فأصدرت مرسوماً بفتح مخازن الدولة وإلزام التجار بالبيع، وأنشأت ديوان "الحسبة" لمراقبة الأسعار.
كما عاقبت كبار المحتكرين وصادرت أموالهم.
في أقل من عام، عاد سعر الإردب إلى 3 دنانير.
كانت رسالتها واضحة: "قوت الناس خط أحمر.
دبلوماسية العقل بدلاً من الحرب
في عز الصراع مع الدولة البيزنطية والصليبيين، اختارت طريقاً مختلفاً. عقدت هدنة لعشر سنوات مع بيزنطة. لم يكن ذلك ضعفاً، بل رؤية اقتصادية. قالت لمستشاريها: "الذهب الذي ننفقه على الحرب، الأولى به أن يبني مدارس ويمحو جوعاً". ووفرت ميزانية الجيش لتنفقها على الداخل.
تمكين المرأة مؤسسياً
لم تكتف ست الملك بكونها نموذجاً. عينت قاضيات للنظر في قضايا النساء والأحوال الشخصية، وهو سابقة في تاريخ القضاء الإسلامي. وأوقفت أوقافاً ضخمة لإطعام الأرامل وبناء دور للبنات لتعلم القرآن والعلوم. كانت ترى أن استقرار المجتمع يبدأ من استقرار الأسرة.
لماذا تم محوها؟
بعد وفاتها عام 1023م، بدأت عملية "المسح" التاريخي.
المؤرخون الذين كتبوا في العصور اللاحقة، وكلهم من الرجال، ذكروا "الحاكم المجنون" و"الظاهر الضعيف"، لكنهم تجاهلوا العقل المدبر الذي حكم بينهما.
السبب لم يكن شخصياً.
كان فكرياً.
فكرة أن امرأة يمكن أن تدير دولة بحجم مصر، وتحقق استقراراً وتنمية، كانت تصطدم مع التصور السائد. فكان الحل الأسهل هو الصمت عنها.
ماذا تقول لنا ست الملك اليوم؟
قصة ست الملك ليست قصة تمجيد للماضي.
هي سؤال للحاضر: هل نحن مستعدون للاعتراف بأن قيادة المرأة ليست تجربة حديثة ولا مستوردة؟
هي حكمت مصر في أصعب ظروفها: مجاعة، تمرد، تهديد خارجي.
وخرجت بها إلى بر الأمان بالعقل والاقتصاد والإدارة، لا بالشعارات.
التاريخ لا يعيد نفسه، لكنه يعيد طرح الأسئلة ذاتها.
وسؤالنا اليوم: كم "ست ملك" أخرى مدفونة في صفحات كتبنا، تنتظر من ينفض عنها الغبار؟
- ست الملك
- السيدة ست الملك
- ست الملك الفاطمية
- صاحبة التدبير
- الدولة الفاطمية
- تاريخ مصر الفاطمية
- المرأة في العصر الفاطمي
- المرأة في التاريخ الإسلامي
- حكم المرأة في مصر
- نساء حكمن مصر
- القاهرة الفاطمية
- العزيز بالله الفاطمي
- الحاكم بأمر الله
- الظاهر لإعزاز دين الله
- الخلافة الفاطمية
- قصر الخلافة الفاطمية
- القيادة النسائية
- تاريخ المرأة المصرية
- المرأة التي حكمت مصر
- ست الملك صاحبة التدبير







