ads
الأحد 26 يوليو 2026
رئيس التحرير
محمد الطوخي

منذ ظهور الصحافة وحتى أيامنا تلك لم تمر صاحبة الجلالة بمثل ما تمر به هذه الأيام من فوضى عارمة وسيولة غاشمة، ورؤى نقدية وفكرية ناقمة.

لقد كانت الصحف وسيلة من وسائل التثقيف والإخبار والترفيه والإعلان وتشكيل الهوية المجتمعية والحفاظ على الثوابت الدينية والقيم الأخلاقية.

وإذا حادت الصحيفة عن دورها وتوغلت في الحياة الشخصية للأفراد واخترقت خصوصيتهم أعرض الجمهور عنها وصنفها المتخصصون ضمن الصحافة الصفراء التي تقتات على انتهاك الخصوصية، والركض خلف الحوادث والقضايا والجرائم وتغطية أحداثها بشكل مبالغ فيه بعيدا عن القيم الحاكمة للعمل الصحفي.

وعبر أثير الإذاعة وشاشات التلفزيون كانت التغطية الإعلامية تركز جل اهتمامها على الفعاليات الرياضية والاستعداد لها، ورصد أحداثها، وطرح آراء النقاد والخبراء والجمهور حولها، وكان استضافة الشخصيات الرياضية في إطار الجوانب الفنية والإدارية، ونادرا ما تقوم البرامج بالتركيز على الحياة الشخصية لهؤلاء المشاهير  احتراما للخصوصية وحرصا على الأسرة المصرية والقيم المجتمعية.

ومنذ زمن ليس ببعيد كان للفعاليات الرياضية والإنجازات التاريخية أثر كبير في زيادة الانتماء الوطني لدى الجمهور، وخلق حالة من الاصطفاف الوطني والفرحة العارمة التي تبعث البهجة في النفوس، وتنشر طاقة إيجابية لدى الجمهور.

ولعل السبب الرئيسي في ذلك يكمن في التغطية الإعلامية المهنية لهذه الفعاليات والتركيز على الأحداث وردود الأفعال الجماهيرية حيالها، بعيدا عن الخوض في خصوصيات اللاعبين والمدربين وحياتهم الشخصية التي كانت محاطة بسياج من السرية والخفاء، بعيدا عن حياتهم الأسرية التي تتطولها في بعض الأحيان جوانب القطيعة والجفاء.

وفي خضم التطورات التقنية الراهنة، والتحول الرقمي وتغير الجوانب المرتبطة بالتغطية الإعلامية للأحداث، وظهور وسائط إعلامية متعددة الوسائط، ومتابعة الجمهور الرقمي للأحداث والفعاليات لحظة بلحظة، وتنوع الوسائل الإعلامية الرقمية، وسهولة إنتاج المحتوى، وبحث الجمهور عن الأخبار الرائجة والاستغراق في التواجد عبر المنصات الرقمية، توغلت بعض وسائل الإعلام في "خصوصية المشاهير" وقامت بالتركيز على الجوانب الشخصية والحياتية التي كانت من الأمور التي لا يستطيع الجمهور التعرف عليها بسهولة.

ولم يتوقف الأمر عند تغطية الحياة الشخصية للمشاهير وفق الأسس والقواعد المهنية؛ بل امتد الأمر للتغول على الضوابط المهنية والقواعد الحاكمة لتناول مثل هذه الأبعاد الشخصية والإنسانية، وتسابقت المواقع الإلكترونية والفضائيات والصحف لنشر الخلافات العائلية للمشاهير، واستضافة اللاعبين والمدربين وزوجاتهم للتحدث في أدق أمور حياتهم، ونشر المشكلات الحياتية والسجالات الشخصية على جمهور المتابعين لتصدر الترند والحصول على أعلى المشاهدات.

ولعل هذا الأمر يمثل خطرا داهما على المجتمع، حيث يتحول الإنجاز التاريخي والتفوق الرياضي إلى مشهد عابر يتوه في دائرة الأمور الشخصية والجوانب الحياتية للاعبين والمدربين والمسؤولين في ظل المتابعة المكثفة من الجمهور الرقمي.

إن فرحة الجماهير العارمة بالإنجازات الرياضية تؤكد على أهمية التناول الإعلامي الرقمي لها، ودور الإعلام في الحفاظ على الهوية، وتعزيز الانتماء، وخلق حالة من البسمة والفرحة لدى الجمهور، وتتطلب منا أن نعيد النظر في هواة الصيد في الماء العكر الذين يحولون الإنجازات التاريخية إلى مغانم شخصية تحقق رواجاً زائفا يفت في عضد المجتمع، ويؤثر على قيمه الأخلاقية وهويته الفكرية، وأن نعيد الأمور إلى نصابها الصحيح ليقوم الإعلام بدوره في تنمية الحس الوطني وتعزيز الانتماء الذي أصبح على حافة الهاوية في عصر الترند والمصالح الضيقة التي تنخر في جسد الإنجاز وتحوله إلى مكاسب شخصية ومغانم فردية يجني الجميع ثمارها من اختراق الخصوصية ونشر الجوانب السلبية التي تزيد من الأخطار المجتمعية.

إن التطور التقني الذي أضاف للتغطية الإعلامية الكثير والكثير من تنوع المحتوى وتعدد المنصات الرقمية وتعدد الوسائط الإعلامية يحتاج إلى ضبط مهني حتي يقوم الإعلام بدوره بعيدا عن ثقافة الترند وهواة الصيد في الماء العكر الذين يحولون الإنجاز إلى حالة من السخافة والاستفزاز.

إن التركيز على هذه الجوانب الشخصية - من قبل بعض البرامج -يؤكد على غياب المسؤولية الاجتماعية، وعدم الوعي بالرسالة الإعلامية التي تحافظ على تماسك المجتمع، وتتبنى قيمه الأخلاقية وهويته الثقافية ومورثاته الحضارية، والتي تجعل الإعلام قوة ناعمة لها تأثير إيجابي في حياة الأفراد واستقرار المجتمعات.

تم نسخ الرابط